اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
لا تعني حوكمة البيوت تحويل الأسرة إلى مؤسسة جافة تجرد الحياة من متعتها، بل يعني ممارسة الحكمة في إدارة شؤوننا اليومية، وإعادة التوازن إلى تفاصيل حياتنا، بحيث نكون نحن القادة الحقيقيين لمصائرنا المالية والأسرية، لا تابعين لشعارات التسويق وموجات التقليد..
هل نحوكم بيوتنا؟ قد يبدو السؤال غريبا، لأن الحوكمة ترتبط في أذهاننا بالمؤسسات والشركات والجهات الكبرى، لكنها في معناها المبسط ليست أكثر من إدارة مسؤولة تقوم على الوضوح، وصحة السلوك، وحسن التدبير، وتحديد الأولويات، ومراقبة المصروفات، ومنع الهدر، واتخاذ القرارات التي تحفظ الموارد وتحقق الاستقرار والاستدامة، وإذا كانت المؤسسات تحتاج إلى الحوكمة كي تستمر وتنجح، فإن بيوتنا أولى بها ويمكننا تطبيق الحوكمة عليها لأنها نواة المجتمع، ومكان صناعة العادات، والمدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معنى المسؤولية وقيمة النعمة.
تبدأ حوكمة البيت من شعور أهله بما يحيط بهم من نعم. فالمنزل الآمن، والطعام المتاح، والماء الجاري، والكهرباء، والصحة، والقدرة على الشراء، ليست تفاصيل عادية لا تستحق الانتباه، وإنما عطايا عظيمة من الله عز وجل قد لا ندرك قيمتها إلا إذا فقدنا بعضها. والشكر لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما يظهر في صيانة النعمة، وحسن استخدامها، ومنع تبديدها. وقد وعد الله الشاكرين بالمزيد، وجعل حفظ النعم مرتبطا بحضورها في القلب وانعكاسها على السلوك.
وحين نطبق الحوكمة على بيوتنا، فإننا ننتقل من الإنفاق العشوائي إلى التخطيط، ومن الاستهلاك المفتوح إلى الاعتدال، ومن شراء كل ما نرغب فيه إلى التمييز بين الحاجة والرغبة. وليس المقصود أن تتحول الحياة المنزلية إلى جداول جامدة وحسابات مرهقة، وإنما أن يعرف أفراد الأسرة أين تذهب أموالهم، وما الذي يستحق الإنفاق، وما الذي يمكن الاستغناء عنه، وكيف يمكن توزيع الدخل بين الاحتياجات الأساسية والادخار والترفيه والطوارئ.
من المؤسف أن تتحول بعض البيوت إلى محطات يومية لاستقبال طلبات المأكولات والمشروبات، بينما تبقى المطابخ قليلة الاستخدام، وتمتلئ الخزائن بالأدوات والأجهزة التي اشتريت ثم أهملت. نطلب أكثر مما نحتاج، ونترك المتبقي من الطعام حتى يفقد صلاحيته، ثم نتخلص منه دون أن نشعر بحجم الخسارة المالية والأخلاقية. إن كل وجبة تهدر تحمل وراءها مالا وجهدا وماء ووقتا، وكان يمكن أن تحفظ أو يعاد استخدامها أو تصل إلى من ينتفع بها.
وتظهر المشكلة كذلك في تضخم الإنفاق على الترفيه، وملاحقة المطاعم والمقاهي والمنتجات الجديدة، والتسابق خلف كل ترند وتقليعة. لقد أصبح التقليد ضريبة يدفعها كثيرون من استقرارهم المالي، لا لأنهم يحتاجون إلى ما يشترون، وإنما لأن الآخرين امتلكوه أو تحدثوا عنه. وهكذا تتحول الرغبة في الظهور إلى التزام مستمر، ويصبح الدخل مهما ارتفع غير كاف أمام قائمة لا تنتهي من الرغبات المصنوعة.
ولا تعني حوكمة البيوت التضييق على الأسرة أو إلغاء متعتها، فالحياة تحتاج إلى الفرح والترويح والتجديد، لكنها تعني أن يكون الترفيه محسوبا، وألا يأتي على حساب الالتزامات أو يدفع إلى التكلف والقروض، ويمكن للأسرة أن تستمتع دون إسراف، وأن تجدد حياتها بلا تقليد، وأن تصنع مناسباتها داخل بيتها مستفيدة من مطبخها وأدواتها ومساحاتها، ومقتنياتها بدلا من ربط السعادة الدائم بالشراء والطلب والخروج.
وتحتاج الحوكمة المنزلية إلى ميزانية شهرية واضحة، وقائمة مشتريات محددة، ومراجعة دورية للمصروفات، وتقليل الطلبات غير الضرورية، وتخصيص مبلغ ثابت للادخار، ولو كان بسيطا. فالادخار ليس ما يتبقى بعد الإنفاق، وإنما بند أساسي يسبق الكماليات. ومن المهم أيضا إشراك الأبناء في هذا الوعي، وتعليمهم أن المال مورد محدود، وأن المحافظة عليه لا تعني البخل، وإنما تعني احترام الجهد الذي بذل للحصول عليه.
البيت المحكوم بحكمة لا يقيس الراحة بكثرة ما يشتري، وإنما بقدر ما يحسن إدارة ما يملك. وفيه تسأل الأسرة نفسها قبل كل نفقة: هل نحتاج هذا؟ هل لدينا ما يؤدي الغرض؟ هل يمكن تأجيله؟ وما أثره في ميزانيتنا؟ وهذه الأسئلة البسيطة لا تنتقص من جودة الحياة، وإنما تحميها من الارتباك والندم.
إن حوكمة بيوتنا ثقافة تبدأ بالشكر لله على نعمه الظاهرة والباطنة، وتقوى بالتدبير، وتستمر بالاعتدال. وهي ليست وصفة مالية فحسب، وإنما أخلاق تحمي النعمة، وتربي الأبناء، وتحقق الطمأنينة. فالبيت الذي يعرف قيمة ما لديه، ويحسن استخدام موارده، ويبتعد عن الإسراف والتكلف، يملك أسباب الاستقرار، ويصنع لنفسه حياة أكثر بركة واتزانا وأمانا.
ويبقى القول: لا تعني حوكمة البيوت تحويل الأسرة إلى مؤسسة جافة تجرد الحياة من متعتها، بل يعني ممارسة الحكمة في إدارة شؤوننا اليومية، وإعادة التوازن إلى تفاصيل حياتنا، بحيث نكون نحن القادة الحقيقيين لمصائرنا المالية والأسرية، لا تابعين لشعارات التسويق وموجات التقليد، والبيت المُحَوكَم هو البيت الذي يعيش فيه أهله براحة بال، يستمتعون بما لديهم، ويخططون لمستقبلهم بثبات، بعيدا عن ديون تثقل كاهلهم، أو مظاهر تسرق استقرارهم. فلنبدأ اليوم بإعادة النظر في تفاصيل حياتنا، ولنجعل من بيوتنا نماذج للوعي، والتدبير، وحسن إدارة النعم وشكرها










































