اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أيار ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
في مقال سابق بعنوان: «المدرسة السياسية السعودية.. بصمات سيادية في عالم متغير» («الرياض»، 19 رجب 1447هـ، 8 يناير 2026م)، تحدثت عن أبرز ملامح هذه المدرسة. ومن أهمها: أنها لم تعمل في نطاق أن السياسة فن الممكن، لا سيما عندما يكون الممكن على حساب الدول الجارة والصديقة، بل كان نطاقها دائماً السياسة فن الواجب الأخلاقي.. ومن هنا نفهم موقف دولتنا القوي تجاه أي تهديد لدول الجوار، أو انتهاك لسيادتها. كما أنها لم تُبنَ كذلك على ردود الأفعال أو المغامرات، بل على منهج التدرج واستنفاد كل أدوات الصبر، وكل محاولات الإصلاح الممكنة، قبل الانتقال إلى ما يمكن تسميته مجازًا «الكيّ السياسي».
ومن سمات المدرسة السياسية السعودية التوازن الدقيق بين الثبات والمرونة؛ ثبات في المبادئ السيادية، ومرونة في الأدوات والوسائل. وقد جاء مقال الأمير تركي الفيصل بعنوان «هكذا نجح محمد بن سلمان» (الشرق الأوسط 22 ذو القعدة 1447هـ، 9 مايو 2026م)، ليشرح فلسفة المدرسة السياسية السعودية في إدارة الأزمات الإقليمية وعى رأسها الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية. فالسياسة السعودية لا تُدار بمنطق ردود الفعل، بل بمنطق حساب النتائج. كما أن «ضبط النفس» في الثقافة السياسية السعودية لا يعتبر ضعفاً، بل أداة قوة استراتيجية. فالدول الصغيرة أو الأيديولوجية قد تنجرف خلف الشعارات الجوفاء، أما الدول المركزية الكبرى فتفكر بمنطق: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ومن سيدفع الثمن؟ وكيف يُحمى المجتمع والدولة والاقتصاد؟
لقد جاء مقال الفيصل ليعيد تعريف مفهوم القوة السياسية في المنطق السعودي. فالقوة هنا ليست في إشعال الحرب، بل في منعها. وهذه المدرسة امتداد لما يمكن تسميته بـ»البراغماتية السعودية المحافظة»؛ أي المحافظة على التوازن الإقليمي مع القدرة على التحرك الحاسم حين تقتضي الضرورة. لذلك فقد رفضت المملكة الانجرار إلى الفخ الإسرائيلي - الإيراني الذي كان سيحوِّل الخليج العربي إلى ساحة استنزاف شاملة. هنا تظهر الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى؛ فالدولة التي تخطط لمشروع حضاري واقتصادي ضخم مثل رؤية السعودية 2030 لا يمكن أن تسمح أن تُستهلك في حروب مفتوحة تخدم الآخرين أكثر مما تخدمها.
يبرز المقال بعداً مهماً في المدرسة السعودية الحديثة، وهو الانتقال من مفهوم «القيادة التقليدية» إلى مفهوم «مركز الاستقرار الإقليمي».. فحين تسخر المطارات والموانئ ومسارات التمويل لدعم دول الخليج كافة والتي وجدت نفسها في مأزق، فإن ذلك يعني أن المملكة هي عمود التوازن الاقتصادي والسياسي في المنطقة، لا مجرد طرف ضمن أطرافها.. لقد استخدم الأمير تركي الفيصل ثنائية «الضجيج» و»الفعل»، ليؤكد أن السياسة الناجحة لا تُقاس بحجم الشعارات وضجيجها، بل بحجم الكوارث التي نجحت الدولة في منعها قبل وقوعها. فمع أن الشعوب قد لا تحتفي بالحروب التي لم تقع، إلا أن منعها قد يكون أعظم إنجاز سياسي.
وأخيرا، لا يخفى على أحد، أن أهم التحولات التي يقودها الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في ملف السياسة هو نقل السعودية من دولة «تتفاعل مع الأزمات» إلى دولة «تعيد تشكيل البيئة الإقليمية نفسها»، وهي نقلة لعمري تاريخية كبيرة في مفهوم الدور السعودي.










































