اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ حزيران ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
كشفت دراسة أجريت على قطاع التجزئة السعودي في 2023 أن واحدًا من كل أربعة متسوقين سعوديين يعود لمراجعة تقييمات المنتج بعد شرائه، للتأكد أنه لم يفوّت على نفسه خيارًا أفضل، والرقم كبير ومربك، بينما لو قام المتسوق بوضع معايير واضحة ومحددة لما يريده، واشترى أو قبل بأول خيار ينسجم معها، دون النظر لبقية الخيارات المتاحة، فإنه سيشعر براحة ورضا أكبر..
الخيارت الكثيرة ليست ميزة، وقد تحدث حالة يسمونها قلق اتخاذ القرار، فقد لاحظت دراسة تحليلية نشرتها مجلة جامعة الملك عبدالعزيز في 2024، أن زيادة عدد المسارات الأكاديمية والتخصصات الدقيقة في الجامعات السعودية، جعلت 54 % من الطلاب السعوديين يشعرون بقلق القرار، والسابق، بحسب الدراسة، يقف وراء تغيير 30 % من هؤلاء لتخصصاتهم في عامهم الجامعي الأول، مقارنة بالنظام القديم الذي يعتمد على مسارات محددة، والشيء ذاته حصل في تقرير تحليلي نشر عام 2023، وتناول توجهات الموظفين حول نظام التأمينات الاجتماعية الجديد، حيث وجد أن إتاحة خيارات أوسع للتقاعد المبكر، ومعها تمديد الخدمة مقابل رفع الراتب التقاعدي، أحدثت إرباكا عند الموظفين فوق سن 45 عاماً، وأجبرتهم على التفكير لوقت أطول قبل الوصول لقرار نهائي، بالإضافة إلى أنهم أظهروا مستويات ندم استباقي أعلى، وذلك عند مقارنتهم بالموظفين الذين يتبعون نظاما موحدا وإلزاميا في التقاعد.
زيادة على ذلك، توصلت دراسة ميدانية في 2022، أجرتها شركة برايس ووترهاوس كوبرز، على القوى العاملة في المملكة، أن الموظفين الشباب ممن يستقبلون ثلاثة عروض وظيفية في وقت واحد، يعانون من شلل وظيفي، ما يدفعهم أحيانا إلى رفض كل العروض والاستمرار في وظائفهم التي يشغلونها، رغم عدم رضاهم عنها، تجنبا لمسؤولية اختيار العرض الخاطئ، وهذا يشبه حكاية الصياد العربي القديم خراش، عندما تكاثرت عليه الظباء ولم يعرف ما يصطاده من بينها، وكانت النهاية أنه فقدها كلها.
الحضارات القديمة عبقرية في حلولها، ومن الأمثلة، ما فعلته روما عام 451 قبل الميلاد، عندما أدارت فوضى الخيارات بأسلوب بسيط، اختصرت فيه كل القوانين الأساسية في 12 لوحاً، ووضعتها أمام الناس في الميادين، بطريقة تستهدف تقليل خيارات التأويل وتوحيد المرجعية، وتمكين مواطنيها من معرفة الخيار الصحيح فورا، ودون تفكير مطول، ولتجاوز شلل القرار العسكري كان هناك مخطط هندسي روماني موحد وصارم يطبق في كل مكان وزمان، ويمكن الجيوش الرومانية من بناء مخيمات عسكرية كاملة ومحصنة في ساعات قليلة، وبمجرد وصولهم لموقع التمركز، والخطيب الروماني شيشرون كان ينظر للإيجاز باعتباره زينة للكلام، وفي رأيه، إعطاء المستمع خيارات ووعود كلامية كثيرة يضعف الحجة، ولذا كان الخطباء الرومان يركزون على ثلاثة أفكار رئيسة في خطبهم الكبرى، لأنهم لا يرغبون في إصابة عقول المستمعين بالشلل وعدم التذكر، نتيجة لكثرة الخيارات.
الدليل المعاصر نشرته شركة ماكنزي في 2021، ووجدت فيه أن 35 % من مشتريات أمازون، و75 % مما يشاهده الناس على نتفليكس، يأتي من التوصيات الآلية للخوازميات الذكية، وليس من البحث اليدوي للمستخدمين، والسبب أنهم يثقون في خياراتها التي لا تتجاوز الثلاثة في معظم الأحيان، أكثر من الثقة في قدرتهم على البحث والمفاضلة بين ملايين الخيارات، ورصدت الشركة نفسها في تقريرها عن الشرق الأوسط لعام 2025، أن 40 % من المتسوقين السعوديين، يعتمدون على مؤثري السوشال ميديا المتخصصين كأداة لفلترة اختياراتهم، وهذا يعبر عن رغبة المستهلك في تفويض قرار الاختيار لغيره، لتجنب العبء الذهني المترتب عليه.
التجربة والخطأ ليست شرا بالمطلق، ومن الشواهد، أن غوغل في تجربتها للسيارات ذاتية القيادة، صممت واختبرت أكثر من 100 نموذج، لاختيار أكثرها فاعلية وكفاءة، وهناك ما يعرف بسؤال العدم، وفيه يفترض الشخص أنه أمام خيار وحيد لا يريده، ولكنه لا يستطيع تغييره، وليس في إمكانه إلا التعايش معه وتحسينه، وعقل الإنسان يسعد بالأمور النهائية، التي لا يمكن الرجوع عنها، والدليل دراسة نشرتها مجلة الشخصية وعلم النفس في 2002، وجاء في نتائجها أن من يشترون أشياء لا ترد ولا تستبدل أكثر سعادة ممن لديهم قدرة على استبدالها، لأن القرار في الحالة الأولى نهائي وفي حكم الأمر الواقع، وهذا يدفع الدماغ إلى إسعاد الشخص به وإشعاره أنه الأفضل، وفي المقابل، خيار الاستبدال يشغل صاحبه بمسألة المفاضلة بين الخيارات.
كشفت دراسة أجريت على قطاع التجزئة السعودي في 2023 أن واحدا من كل أربعة متسوقين سعوديين يعود لمراجعة تقييمات المنتج بعد شرائه، للتأكد أنه لم يفوت على نفسه خيارا أفضل، والرقم كبير ومربك، بينما لو قام المتسوق بوضع معايير واضحة ومحددة لما يريده، واشترى أو قبل بأول خيار ينسجم معها، دون النظر لبقية الخيارات المتاحة، فإنه سيشعر براحة ورضا أكبر، ولا بد من تقبله لفكرة أن بعض القرارات قد لا تكون موفقة تماماً، وربما أثرت فيها عوامل خارج إرادته، وبالأخص في الأمور المصيرية كالزواج والوظيفة والتعليم، لأنه يأخذ بالأسباب والتوفيق الإلهي ليس بيده، ولا يعنى ذلك الاعتماد المطلق على الحدس، الذي لا يفيد إلا في المواقف المجربة مسبقاً، وفي الأمور الروتينية التي عايشها الإنسان كثيرا، مع الابتعاد عن التفكير بطريقة الأبيض والأسود، أو إما هذا أو لا شيء.. وفي رأيي، القرارات الرمادية جيدة، لأنها مثلما يقول أرسطو: كالفضيلة بين رذيلتين.










































