اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
نقول في حديثنا اليومي: «أشوى» حين يخفّ وقع الأمر، أو نكتشف أن ما حسبناه شديدًا كان أهون مما ظننا. وقد تبدو الكلمة لأول وهلة من الألفاظ المحكية، غير أن وراءها جذورًا ضاربة في العربية الفصيحة.
فـالشَّوَى في العربية هو الأمر اليسير أو الهيّن، ويأتي كذلك بمعانٍ أخرى، منها أطراف الجسم، وظاهر الجلد، والبقية من الشيء. ومن هذا المعنى جاء الفعل «أشوى»؛ إذ تقول المعاجم: «أشوى من الشيء» أي أبقى منه شيئًا قليلًا، ومنه قولهم في الرامي إذا أصاب أطراف الصيد ولم يصب مقتله: أشوى؛ أي لم يُصِب موضع الهلاك.
ومن هنا اتسع المعنى في الاستعمال، فأصبحت «أشوى» تدل على ما هو أهون وأيسر وأقل وطأة. وهو استعمال فصيح على وزن أفعل، وجد طريقه إلى ألسنة الناس حتى حسبه بعضهم من العامية، مع أن أصله في العربية القديمة.
ولعل في أصل الكلمة صورة تستحق التأمل. فالرامي حين يُشوي صيده لا يصيبه في مقتل؛ تصيبه الإصابة، لكنها لا تبلغ موضع الهلاك. وما أصاب الأطراف بقي أهون من إصابة القلب أو الرأس. ومن هذا المشهد الحسي نشأ معنى أوسع: أن يكون الأمر مؤلمًا، لكنه أشوى؛ أي أخف من غيره، وأقل ضررًا، وأقرب إلى السلامة.
وهكذا تحتفظ العربية بقدرتها الجميلة على نقل المعنى من الجسد إلى الحياة. قد لا تكون الأيام سهلة، وقد لا تختفي المشقة حين نمر بها، غير أن بعض ما نخافه يأتي أخف مما توقعنا. نخرج من الموقف وقد أصابتنا منه شواية الألم، غير أن المقتل لم يُصب.
ولذلك ربما كانت «أشوى» أكثر من كونها كلمة نقولها حين يخف البلاء؛ إنها طريقة في النظر إلى الأشياء. ورد في الأثر أن كَبْشَة بنت رافع الأنصارية قالت للنبي ﷺ بعد معركة أحد: «أَمَا إذْ رأيتُك سالمًا؛ فقد أشوتِ المصَّيبة».
ليس كل ما يُؤلم يُهلك، وليس كل ما يُخيف يكون في أقصى درجات الخطر. وقد يكون بين الشدة والسلامة موضع واسع للتخفيف، وللحمد، ولعبارة بسيطة نقولها بعد انقضاء الخوف: الحمد لله، أشوى. وكم من موقف ظنناه نهاية، ثم اكتشفنا بعده أنه كان أهون مما حسبنا، فالحياة، وهي تمضي بنا بين ما يؤلمنا وما يُنجينا، تترك لنا دائمًا شيئًا من المسافة بين الإصابة والمقتل؛ مساحةً نتنفس فيها، ونستعيد عافيتنا، ونقول: كانت شديدة، لكنها كانت أشوى.










































