اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيار ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
على الإنسان أن يسعى جادًا في جلب مصالح معاده ومعاشه، وأن يكون ذلك السعي محكومًا بالشرع والنظام، وهذا بحد ذاته إنجاز، يخرجه من دائرة الخمول والكسل.. وللسعي الحثيث ثمرات عظيمة؛ وإن كان لا يلتفت إليها كثير من الناس، فالسعي نفسه إذا كان في تحصيل مصلحة الإنسان ومصلحة أسرته فهو في سبيل الله تعالى، وهو عبادة بغض النظر عن نتائجه ومردوده المادي..
كثير من الناس إذا وضع نصب عينيه أهدافاً معينة يرجو إسفار مساعيه عنها، ربط حصولها بما يلمسه ويلمسه غيره من الإنجاز الذي تكون آثاره محسوسة، فإن حصل له منه ما يستطيع استعراضه رأى ذلك نجاحاً لسعيه، وفوزاً ببغيته، وإن لم يتحقق له حسب معياره السابق رأى أنه غير محظوظ، وربما استعجل بعضهم النتيجة، فحكم على نفسه بالفشل قبل أن يحين وقت الحكم بذلك، ويضخم سلبية عدم ظهور أثر الجهد باكراً، فيجعله ذريعة إلى الكف عن المحاولات، والوقوف في منتصف الطريق، وقد يتحول إلى جلد الذات والتأسف على الماضي، فشغله ذلك عن الانخراط فيما ينفعه، وهذا عجز نفسي لا يسوغ للعاقل أن يتسبب فيه لنفسه، وقد نهي عنه في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان'، وقد تكون لمساعيه آثار أخرى محمودة لم يلتفت إليها، ولم يعبأ بها، مع أنها قد تكون أثمن وأغلى معنوياً من التي جعلها معيار النجاح.. ولي مع آثار المساعي الجادة وقفات:
الأولى: على الإنسان أن يسعى جاداً في جلب مصالح معاده ومعاشه، وأن يكون ذلك السعي محكوماً بالشرع والنظام، وهذا بحد ذاته إنجاز، يخرجه من دائرة الخمول والكسل، وقد صدق من قال: 'وعليّ أن أسعى وليــْ .. سَ عليّ إدراك النجاح'.
وللسعي الحثيث -بحد ذاته- ثمرات عظيمة وإن كان لا يلتفت إليها كثير من الناس، فالسعي نفسه إذا كان في تحصيل مصلحة الإنسان ومصلحة أسرته فهو في سبيل الله تعالى، فهو عبادة بغض النظر عن نتائجه ومردوده المادي، فعن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: 'مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان'، رواه الطبراني، وصححه الألباني.. وكذلك يقدر عقلاء الناس من يسعى في طلب مصالحه، ويكفيه نبلاً عندهم أنه مرتبط بمسعًى معين يحاول أن ينتفع به، كما أن عدم الانشغال بشيء يزهدهم من الإنسان وإن كان مظهره يوحي بأن له شأناً، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: 'إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا سقط من عيني'.
الثانية: من ضعف الرأي أن يزهد الإنسان في الأعمال التي يمتد أثرها عبر الزمن، وتقبل البقاء والتناقل بين الأجيال، وأن يهملها بذريعة أنه لم يرَ أثرها أو لا يعتقد أنه يراه، فكثير من الجهود المثمرة أسسها فلان، وقطف ثمرتها آخرون، وهذا مقصد شرعي، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها'، أخرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني.. قال بعض أهل العلم: 'أراد بقيام الساعة أماراتها، ومقصوده الأمر بالغرس لمن يجيء بعد، وإن ظهرت الأشراط ولم يبق من الدنيا إلا القليل'، والعمل القابل للاستمرار مكسب لمن أسسه، وإذا كان قد أخلص النية فهنيئاً له بالأجر ما دام الناس ينتفعون به، وهو على كل حال لا يعدم حسن الذكر عند المنتفعين بثمرة جهوده، وقد صدق من قال:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
الثالثة: أولى الجهود بألا تظن فيه الخسارة.. الجهود التي أمر بها الشرع الحنيف، وهي مع ذلك مما تدعو إليه فطرة البشر، ولا يستغنون عنه في علاقاتهم وشؤونهم، كصلة الرحم ونحو ذلك، فبعض الناس يرى أنه إذا لم تقابل صلته بما يسره فقد تحققت خسارته، وليس الأمر كذلك فالصلة عبادة -ولا يتعارض ذلك مع كونها تلبيةً لعاطفة النسب والقرابة- فإن روعي فيها وجه الله تعالى، فلا خسران لسعي الواصل، وهناك ثمرات عظيمة ينالها، منها إرضاء ربه، ومنها البر بوالديه أو أجداده الذين يربطونه بهذا القريب، ومنها بركة وعافية في نفسه وماله، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: 'من سرّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه'، متفق عليه.










































