اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
محمد البكر
بعض الإنجازات لا تُقاس بما تحمله منصة التتويج من ميداليات، وإنما بما تكشفه خلفها من عمل طويل جرى بعيداً عن الأضواء حتى جاءت لحظة المنافسة لتكشف حصيلته أمام الجميع، وهذا تحديداً ما قدمته المشاركة السعودية في دورة الألعاب الآسيوية ناغويا 2026، التي لم تكن مجرد حضور في منافسة قارية، بل محطة كشفت عن عمل يستحق التوقف عنده وإنجازات تستحق أن يُبنى عليها ما هو أكبر.
الفروسية حققت ذهبيتي الفرق والفردي، والجوجيتسو حصد خمس ميداليات بينها ذهبيتان، والكاراتيه أضاف ثلاث ميداليات، والرياضات الإلكترونية بفضية وبرونزيتين، إلى جانب إنجازات لافتة في ألعاب القوى والبادل والمصارعة كان لبعضها طابع تاريخي في المشاركات السعودية، أرقام تستحق الاحتفاء، لكن اختزال المشهد فيها وحدها سيكون ظلماً لما هو أبعد من منصة التتويج.
ما لفت الانتباه في ناغويا أن الإنجاز لم يأتِ من فراغ، فكل ميدالية هناك كانت نتيجة سلسلة طويلة من الإعداد والتخطيط والمتابعة، وهي أمور لا تظهر كثيراً أمام عدسات الكاميرات لكنها تظهر بوضوح عندما يبدأ الحصاد، اللاعب وحده يقف على المنصة لكن خلفه منظومة كاملة تعمل قبل المنافسة بوقت طويل وتتحمل مسؤولية تجهيز اللاعب ليكون قابلاً للمنافسة عندما تحين اللحظة.
من الإنصاف هنا أن تُسجّل كلمة شكر لسمو الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية على الدعم والتوجيه الذي يرافق مسيرة الرياضة السعودية، ولسمو الأمير فهد بن جلوي بن عبد العزيز نائب رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، وللرئيس التنفيذي عبد العزيز باعشن على ما بُذل من جهود في الإعداد والمتابعة، مثل هذه النتائج لا تُنسب إلى لاعب أو اتحاد بمفرده وإنما هي حصيلة عمل جماعي تتكامل فيه الأدوار حتى يصل اللاعب إلى المنصة.
الأجمل في ناغويا أن بعض اللحظات لم تكن بحاجة إلى ميدالية ذهبية حتى تكتب لنفسها مكاناً في ذاكرة الرياضة السعودية، فإنجاز محمد تولو والانتصار التاريخي لسيدات البادل وأول فوز رسمي للمصارعة السعودية عبر منذر جندو، كلها لحظات تتجاوز قيمتها النتيجة المباشرة لأنها تفتح أبواباً جديدة أمام من سيأتي بعدهم. قيمة ناغويا الحقيقية لن تُقاس فقط بما حصدته السعودية من ميداليات، وإنما بما ستبنيه بعد انتهاء الدورة، فالاحتراف لا يُقاس بما يحدث يوم المنافسة فقط، بل بما يحدث في اليوم التالي لها، إذا وصل لاعب إلى منصة التتويج فالمطلوب أن يبدأ العمل مباشرة لصناعة نسخة أفضل منه، وإذا سجلت لعبة إنجازاً تاريخياً فلا ينبغي أن يبقى التاريخ محصوراً في كلمة الأول بل يتحول إلى بداية لسلسلة من الحضور والإنجاز.
ناغويا انتهت لكن ما تحقق فيها يجب ألا يتحول إلى صور جميلة وذكريات في أرشيف الرياضة السعودية، الميداليات تُحفظ في الخزائن أما الإنجازات الحقيقية فمكانها المستقبل، وما تحقق في ناغويا يمكن أن يكون بداية لجيل يدخل المنافسات بثقة أكبر وطموح أعلى وإيمان بأن المنصة ليست نهاية الطريق وإنما بداية جديدة، في ناغويا لمع الذهب لكن الأهم أن الطريق إليه أصبح أكثر وضوحاً، ودمتم سالمين.










































