اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
د. عبدالله بن محمد العمري
التاريخ هو الأرضية الزمنية التي تقع عليها الأحداث وتتحرك على مداها الحياة، والجغرافيا هي الأرضية المكانية للأحداث، ونلاحظ أن هناك ثنائية متلازمة بين التاريخ والجغرافيا، ولذلك نجد أنهما يسميان في العرف التعليمي بالاجتماعيات، وتشمل الدراسة تحت هذا المسمى الجانب التاريخي وتأثير الجغرافيا في تشكل الجماعات ومدى انفتاحها على المجتمعات من حولها، والبصمة الحضارية من واقع الرؤية التي ترى أن الحضارة نظام اجتماعي تختلف طبيعته بين مجتمع وآخر، ويتكون من ثقافات تختلف فيما بينها في نتاجها الحضاري المادي وغير المادي، ويمكن اختصار كل هذه التفاصيل تحت مصطلح «فلسفة التاريخ» فلا تاريخ بلا زمان ومكان ومجتمع له طبيعته البشرية، وفكره الإنساني، وطابعه الحضاري، ونسبة الفلسفة إلى التاريخ استعارة تؤنسن التاريخ لتجعله صاحب قرار مفترض بناء على هذه المنظومة (الزمانية. المكانية. الحضارية. الاجتماعية).
هذا النسق أو الحقل أو المنظومة هي المساحة الواسعة التي تتحرك على مداها الواسع أدوات (النقد الثقافي)، فالتاريخ عبارة عن عناصر يأتي الحدث والزمان والمكان والمجتمع مشكلة لحقيقته، وراسمة لصورته الذهنية المختزلة في كلمة واحدة (التاريخ).
وفي هذا السياق جاء اشتغال العالم (ابن خلدون) الذي وضع مقدمة لموسوعته التاريخية لتصبح المقدمة أشهر من الموسوعة، وليؤسس لفكر نقدي مادته (التاريخ) بعناصره التي ذكرناها وبفلسفة نقدية توجهت لبوابة الاجتماع الإنساني ليكون البوابة الأولى التي عبر منها ابن خلدون إلى التاريخ ليخضعه لدراسة نقدية عميقة مبتكرة، ولنجد مع تطور وتبدل وتراكم مفهوم الثقافة المتتابع أن ما قام به ابن خلدون شكل من أشكال النقد الثقافي للتاريخ، وربما يثبت أنه -أي ابن خلدون- (أول من أسس قواعد عامة للنقد الثقافي)، لكن علينا عدم الاستعجال في تقرير هذه الأسبقية إلا بعد مزيد من التمحيص والتدقيق في أعمال علماء آخرين عرب وغير عرب، وهذا لا يمنع من تبني هذا الرأي إلى أن يثبت العكس، والباعث على هذا الرأي يؤيده ما احتوته مقدمة ابن خلدون التي جاءت لتكون موسوعة -من حيث كثافة مادتها وشموليتها- قدمت لموسوعة، فالمقدمة اشتملت على مواضيع تتناول الدين والأخلاق والحِرف ونمط حياة الناس والفنون والتعليم والأدب والعمارة والآثار واللغات والأزياء والخط والنشر والفلسفة وعلم النفس، ومواضيع أخرى في عناوين رئيسة أو في سياقات تحليلية. كل هذا جاء في مقدمة لموسوعة تاريخية سماها ابن خلدون (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) ليجعل من التاريخ مفسراً للأحداث ومحللاً لعناصرها وغاياتها وسننها الاجتماعية وليس مجرد ناقل لها، وليرسخ أصول مفاهيم حديثة في علم الاجتماع تفرق بين الوظيفة الظاهرة والكامنة للأشياء والمعارف والعلوم والأفعال، وليرسم خطاً عريضاً لنقد جديد يقرأ به التاريخ وتحلل عناصره وأحداثه؛ مما يجعلنا نطرح هذا السؤال الذي أجبنا عليه تجاوزاً إجابة مؤقتة في الأعلى بانتظار إجابة قاطعة، والسؤال: هل ابن خلدون هو من أسس لمفهوم نقد ثقافي إلى جوار تأسيسية للقواعد العامة لعلم الاجتماع ؟!










































