اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
في خضم التصعيد الذي يخيّم على المنطقة، تتكاثر الروايات وتتضارب التفسيرات، حتى يكاد يُعاد تشكيل الواقع؛ وفق ما يخدم أجندات بعينها. ومن بين أكثر هذه الروايات إثارة للجدل..تلك التي تحاول تصوير المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وكأنها جزء من تحالف حربي يقوده الرئيس الأمريكي ترامب إلى جانب إسرائيل.
غير أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن ما تقوم به المملكة، وكذلك بقية دول مجلس التعاون ليس اصطفافاً، بل هو دفاع مشروع عن سيادتها وأمنها. فحين تتعرض أراضينا للصواريخ والطائرات المسيّرة، لا يكون الرد خياراً سياسياً، بل واجباً سيادياً لا يحتمل التأويل.
المشكلة لا تكمن في الفعل، بل في الخطاب الذي يحاول إعادة تعريفه؛ إذ يسعى ترامب في أكثر من مناسبة، إلى تصوير هذا الدفاع، وكأنه انخراط في معسكر الحرب، وهي صياغة تحمل في طياتها قدراً من التضليل، وتفتح الباب أمام توسيع رقعة الصراع بدلاً من احتوائه.
هذا الخطاب- كما يراه كثير من المحللين- لا ينفصل عن حسابات أوسع، حيث تتحول الأزمات إلى محركات اقتصادية، وتصبح الحروب فرصاً لإنعاش أسواق بعيدة، حتى لو كان الثمن استقرار المنطقة. ومن هنا يبدو الدفع نحو التصعيد وكأنه محاولة لجرّ دول الخليج إلى معركة لا تخدم مصالحها.. بقدر ما تخدم مصالح الآخرين.
وفي خضم هذا السياق، تبرز إشارة لافتة حين يتطرق ترمب أكثر من مرة إلى الأمير محمد بن سلمان ليس فقط بالاسم، بل عبر عبارة تحمل دلالة أعمق مما تبدو عليه، إذ سبق وأشاد بشجاعته وحنكته؛ كونه لديه رؤية وصانع سلام. فهذه الإشادة المتكررة تعكس إدراكاً ضمنياً بثقل القرار السعودي، وبأن المملكة ليست طرفاً يُملى عليه، بل فاعلٌ مستقل يُحسب له حساب. فالقوة لا تُقاس بما يُعلن فقط، بل بما يُفهم من نبرة الخطاب الموجّه إليها.
ومن هنا يتضح أن الموقف السعودي لا يقوم على الرفض الانفعالي، ولا على القبول التبعي، بل على قراءة متأنية لمآلات الصراع. فالمملكة لا ترى في الانخراط في الحرب خياراً يخدم استقرارها أو استقرار المنطقة، حيث تحرص السعودية على حل الأزمات بدبلوماسيتها المعهودة. إنها معادلة واضحة، فالدفاع عن الأرض لا يعني الدخول في تحالفات حرب، والحفاظ على الأمن لا يعني التخلي عن الاستقلال السياسي. وبين خطاب يدفع نحو الاشتعال وموقف يراهن على التوازن، تختار المملكة طريقها بعيداً عن ضجيج المزايدات، بالحوار والدبلوماسية فهي دولة سلام.
في النهاية، قد تختصر عبارة واحدة مشهداً كاملاً. فهناك من يريد إشعال النار، وهناك من يدرك أن إطفاءها هو الخيار الأكثر حكمة. وبين الاثنين، تظل المملكة العربية السعودية رقماً صعباً.. لا تُستدرج، ولا يُملى عليها، بل تقرر وفق ما تراه صواباً.
alnasser1956@hotmail.com










































