اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ أيار ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز حمد العويشق
أظهرت الحرب الحاجة إلى ترابط أسرع وتكامل أعمق بين دول مجلس التعاون، وهو ما أكدت عليه قمة جدة.. وبالإضافة إلى ما يتطلبه هذا الربط من استثمار في البنية التحتية، من بناء طرق وسكك حديدية ومطارات وموانئ، فإنه يحتاج كذلك إلى استكمال توحيد البيئة التنظيمية والمعايير والبرتوكولات المتعلقة بالنقل البري والسككي والجوي والبحري..
اجتمع قادة مجلس التعاون في جدة يوم الثلاثاء الماضي برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ لمناقشة تداعيات حرب إيران وتقييم جهود دول المجلس في التعامل معها.
منذ اشتعلت الحرب في 28 فبراير والمسؤولون الخليجيون على جميع المستويات والتخصصات في شبه اجتماع دائم لمتابعة تداعياتها، ولطالما فضّلت دول مجلس التعاون الحلول السياسية في العلاقة مع إيران، وبذلت جهوداً مُضنية لتفادي الحرب، ولكن إيران كافأتها بأن استهدفتها بأكثر من 85 بالمئة من إجمالي الهجمات، ما أفقد دول المجلس الثقة في سلامة نواياها.
ومع أن دول المجلس مازالت تفضل «السبل السياسية» مع طهران، إلا أن انعدام الثقة يجعل من الضروري أن تقترن تلك الوسائل بتعزيز القدرات الدفاعية والردع وتوظيف الدعم الدولي الواسع الذي ظهر منذ بداية العدوان الإيراني.
إغلاق مضيق هرمز كان أكثر القضايا إلحاحاً في جدة. والموقف الخليجي واضح بأن تتم معالجته على وجه السرعة، وفقاً لمقتضيات القانون الدولي وبمعزل عن المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، لأن إغلاقه الذي دخل شهره الثالث تسبب في ركود اقتصادي عالمي، وأزمة حادة في الطاقة وأخرى في الأمن الغذائي، وأثر على حياة مئات الملايين حول العالم لا دخل لهم بهذه الحرب.
وأظهرت الحرب فائدة ما تم تحقيقه في المجال اللوجيستي والنقل في المملكة العربية السعودية، إذ أصبحت موانئ البحر الأحمر بديلاً لموانئ الخليج في الاستيراد والتصدير، وأصبحت الشاحنات تقطع المملكة ذهاباً وإياباً لسد الخلل الذي تسبب فيه إغلاق هرمز. وساهمت في ذلك شبكة سكك الحديد ومطاراتها التي تجاوز عددها الثلاثين، نصفها تقريباً مطارات دولية، استخدمتها شركات الطيران الخليجية التي أغلقت مطاراتها.
ولكن الحرب أظهرت الحاجة إلى ترابط أسرع وتكامل أعمق بين دول المجلس، وهو ما أكدت عليه قمة جدة. وبالإضافة إلى ما يتطلبه هذا الربط من استثمار في البنية التحتية، من بناء طرق وسكك حديدية ومطارات وموانئ، فإنه يحتاج كذلك إلى استكمال توحيد البيئة التنظيمية والمعايير والبرتوكولات المتعلقة بالنقل البري والسككي والجوي والبحري.
وأكدت قمة جدة على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات السحابية، ولكن الحرب أظهرت كذلك تهديد إيران للكابلات التي تنقل المعلومات، ما أكّد الحاجة إلى بناء بدائل محلية وتوطين هذه المراكز والصناعات.
لا يمكن التعويل على سرعة انتهاء الحرب، بسبب الهوّة الواسعة بين مواقف الجانبين، ولكن اتضح خلال الفترة الأولى من الحرب عزم إيران على استهداف منشآت البنية التحتية وصناعة النفط والغاز والبتروكيماويات في دول المجلس، وهو ما دفع قمة جدة إلى الدفع بعدد من المشاريع التكاملية الضرورية، بما في ذلك مد نطاق هيئة الربط الكهربائي الخليجية خارج المنطقة، مثل القارة الأوروبية، كما سبق أن اقترح ولي العهد في أكتوبر 2024.
أظهر الأنبوب النفطي بين الدمام وينبع في هذه الحرب الحكمة الاستراتيجية في إنشائه، وعدم الاعتماد على الجدوى التجارية قصيرة المدى في تقييم المشاريع الاستراتيجية، ولهذا ستتم إعادة تقييم مشاريع أخرى لنقل النفط في ضوء هذه التجربة.
داخلياً الربط المائي أكثر إلحاحاً، ولكنه أكثر صعوبة. وقد سبقت دراسته ولم تثبت «جدواه» الاقتصادية، ولكن هجمات إيران وتهديداتها لمحطات التحلية تدعو إلى إعادة النظر في الربط المائي أخذاً بالاعتبار تلك التهديدات، بالإضافة إلى تهديد التلوث النووي لمياه الخليج.
استخدمت إيران آلاف الصواريخ البالستية والمسيرات في هجماتها على دول المجلس، وكان رجال الدفاع من أوائل المجموعات الخليجية التي اجتمعت بعد الحرب للتنسيق العسكري، من خلال القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون واللجان العاملة في إطار المجلس.
تم اعتراض أكثر من 90 بالمئة من هجمات إيران، وهو ما يشهد بكفاءة الجنود الخليجيين. ولكن ثمة رغبة في تحقيق المزيد من النجاح برفع نسبة الاعتراض، وزيادة فترة الإنذار، وتخفيض التكاليف، وتوطين صناعة المسيرات والصواريخ.
ولتنفيذ مقررات قمة جدة ستشهد الأسابيع القادمة حركة نشطة في إطار مجلس التعاون، لتعزيز التنسيق السياسي، والقدرات الدفاعية، والترابط اللوجيستي، وإعادة البناء، واستعادة القدرات التصديرية والإنتاجية، والترابط اللوجيستي.










































