اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ حزيران ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
ثمة أشخاص بارزون بسمو أخلاقهم ورسوخ ولائهم قبل علمهم وعملهم في مسيرة بناء الدولة؛ شخصيات لا يعرف عنها إلا القليل مما تستحق، لأنها آثرت العمل على الظهور، وجعلت الإنجاز غايتها دون أن تلتفت يوماً إلى الأضواء؛ هذا الصنف من الرجال هو في الغالب الأكثر أثراً والأبعد عمقاً في تاريخ نهضة الدولة، وإيصال رسالة مواقفها، وبناء مؤسساتها وتطويرها؛ ومن هذه القامات السامقة التي تقف شامخة في تاريخنا الراهن، يبرز اسم معالي الدكتور مساعد بن محمد العيبان وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء ومستشار الأمن الوطني، والذي شرفت بالنيل من علمه في مقاعد الدراسة؛ وأدرك تماماً بأن معاليه ليس في حاجة إلى هذه السطور المتواضعة مني، فيكفيه الثقة المتجددة من القيادة الرشيدة -أعزها الله-، لكنها جزء من حقه علينا، تقتضيه قيم الوفاء والعرفان والتقدير لشخصه الكريم؛ فقد عرفته - وغيري الكثير من تلامذته - عن قرب، أستاذ يوقظ في طلبته ملكة السؤال، ويحفزهم على التفكير الناقد والتحليل العميق بدلاً من التلقين الجامد؛ فهو لا يتعامل مع التعليم بوصفه نقل معلومة، بل باعتباره صياغة للعقل وتربية للمنهج، مدركاً أن المعرفة الحقيقية هي قدرة أصيلة على الفهم المستقل التي تلازم المرء طوال مسيرته العملية؛ وكان يمنح طلابه من وقته ما يرسخ فيهم معنى الأبوة الأكاديمية الحانية، وسؤاله الدائم عنهم وتفقد أحوالهم ومتابعة مسيراتهم المهنية بعد التخرج مشجعاً وسائلاً، ومرسخاً في وجدانهم قيم الانتماء لهذا الوطن الغالي والولاء لقيادته العزيزة؛ إذ في هذه السجية الإنسانية وحدها ما يكشف عن طبيعة الرجل وعمق شخصيته قبل أن تكشف عنها مناصبه، مؤكدة أن رفعة المسؤولية لديه لم تكن لتزيده إلا تواضعاً ورسوخاً في خدمة قيادته ووطنه.
والمتأمل في شخصية معاليه يدرك أن ثمة صفة نادرة تجمع أوجهها كلها، فقد جمع معاليه بين مسيرة التميز الأكاديمي والنجاح العملي في آن واحد، وهو ما لا يتحقق لكثيرين، وقلما يقترن التفوق في مسيرة التحصيل العلمي بنجاح مماثل في ميدان الفعل؛ غير أنه كسر هذه المعادلة وأثبت أن من يحسن تكوين العقول قادر على بناء المؤسسات وترشيد القرار، محققاً في ذلك تفرداً في الإنجاز يصعب تكراره، وصانعاً فارقاً حقيقياً في كفاءة الأداء الإداري والسيادي في الملفات والمهام التي تصدى لها؛ وإلى جانب ذلك فإن ما يميز معاليه هو اختياره الدائم للعمل في صمت، مستنداً إلى أسلوب وفلسفة راسخة في شخصيته، هو أن يترك الإنجاز يتكلم عن نفسه، وأن يكون الفعل سابقاً للقول لا تالياً له؛ وقد انعكست هذه الفلسفة في أسلوب معاليه حين يكلف بالقضايا والمسؤوليات الاستراتيجية ذات البعد القانوني والسياسي، ومهام الأمن الوطني؛ فهو يترجم المهام إلى واقع ملموس بهدوء وثبات، متبعاً منهجية صارمة تعتمد على القراءة الفاحصة والتفكير المستنير والتحليل المعمق لينجز بحنكة متزنة، مكرساً حياته المهنية لإرساء العمل المؤسسي وتطوير المنظومة التشريعية والدبلوماسية والأمنية معاً على المستوى الوطني بما يواكب قفزات الدولة وتطلعاتها المستقبلية الشاملة.
وأعمق ما في شخصية معاليه أنه يحمل نادرة لا تجتمع عادة في رجل واحد، تلك هي الحكمة والصبر، والقدرة على إدارة التعقيد بأعلى درجات الاتزان والثبات، فالقضايا والمسؤوليات العليا التي أُسندت إليه على مدى عقود لم تكن روتينية؛ بل كانت من تلك القضايا الكبرى والملفات الاستراتيجية والمهام الحساسة التي كلما ازدادت تعقيداً انخفضت احتمالات النجاح فيها، ومع ذلك خرج منها بنتائج راسخة لأنه يحمل بصيرة القانوني الذي يقرأ النص في سياقه، وحنكة الدبلوماسي الذي يستقرئ أبعاد المشهد ويفهم توجهات الأطراف قبل الخوض في تفاصيل المفاوضات؛ وفوق ذلك كله فإنه نال ثقة غالية ومستمرة من لدن عدد من ملوك هذه البلاد المباركة المتعاقبين وصولاً إلى هذا العهد الميمون كـ 'مستشار أمين' يعتمد عليه في أدق المنعطفات، وهذه وحدها شهادة لا تحتاج إلى تعليق؛ إذ القاعدة التاريخية أن 'لكل زمان رجاله'، والاستثناء أن يظل الرجل الواحد خيار الأزمنة كلها، وشاهداً على مسيرة عقود استثنائية تسامى فيها بفكره وقلمه، سخر فيها كل جهده وعطائه لخدمة دينه ثم مليكه ووطنه؛ ولهذا نقول إن القلم ليعجز والفكر ليتضاءل أمام الوقوف على تفاصيل هذه المسيرة الوطنية الحافلة لمعاليه، والوفاء بحق رجل دولة قدم ولا زال يقدم الكثير في صمت؛ غير أن هذه السطور تظل شهادة وفاء وعرفان تقتضيها مكانة الأستاذ الفاضل ورجل الدولة والمستشار الأمين، لتبقى سيرته العطرة نبراساً يهتدى به، وشاهداً على مسيرة رجل وهب عمله المخلص، وسنوات عمره، وخلاصة تجربته الاستراتيجية، في كل ما من شأنه أن يسهم في تعزيز موقع الوطن، ورفعته، ونمائه، وإعلاء رايته في كل المحافل.










































