اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أب ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
اليوم نحن في عالم يفتح المجال للمزيد من الأقطاب والقوى التي تحاول أن توجد لها موقعًا في عالم يتضاعف فيه الاستقطاب، وهنا تكون الواقعية السياسية وخلق سلام مستدام، التي هي أهم ملامح هذا العصر الذي يتطلب خلق توازن إقليمي وليس صراعًا جاذبًا للتنافس الدولي الداعم لفرض الهيمنة وجلب الفوضى..
الإشارة الأهم التي أنتجتها الحرب الدائرة في الخليج حالياً تؤكد أن تحولاً جذرياً للحالة الجيوسياسية يظهر بوضوح في قلب العالم العربي والإسلامي، فمستقبل الشرق الأوسط أصبح أقرب إلى التوازن والاعتدال بعيداً عن الهيمنة أو الترويج لفكرة السيطرة من قبل أي قوة في المنطقة سواء إسرائيل أو إيران، بل حتى أمريكا والصين وروسيا، فالمنطقة بأكملها تستعد للاندماج في مسار سياسي تجد الكثير من الدول في المنطقة نفسها أمام خيارات واضحة إما الاندماج في تحولات المنطقة التي تقودها التحالفات الإقليمية الكبرى أو البقاء خارج الدائرة كمكونات سياسية معزولة قابلة للانقراض.
الفرضية السابقة تطرح سؤالاً مهماً حول من لديه القدرة أن يكون شريكاً في صناعة السلام في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً في قلب الشرق الأوسط الخليج العربي، في الواقع فإنه انطلاقا من هجمات السابع من أكتوبر على غزة وحتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير هذا العام، فقد ثبتت أن محاولات إسرائيل وإيران في تغيير واقع المنطقة لصالح مشروعهم الإيديولوجي كان هدفا استحال تنفيذه، فكلاهما لم يكن يسعى لفرض الردع بل يفكران في فرض الهيمنة، وهنا تأتي استحالة تحقيق أي معادلة صفرية في المنطقة لصالح طرف ضد آخر، فالفكرة السائدة عن إيران أو إسرائيل وبسبب السياسات الواقعية التي قادتها الدولة الأهم في الخليج حيث حدث تحول جذري في الفضاء الاستراتيجي، حيث صدمت كلا القوتين وحتى القوى الدولية بحقيقة مهمة تؤكد أنه أصبح من الصعب استخدام القوة وتوظيفها لقلب النظام الإقليمي.
الانكشاف الذي ظهر بوضوح في مواجهة ما يسمى بمحور المقاومة ومحور التوسع الإسرائيلي أسهم في تغير المعادلة الخاصة بالمنطقة، فقد تراجع الجميع دون استثناء وثبت أن صراع الطرفين لم يكن سوى استهداف متعمد لكسر قواعد المنطقة وفرض الانقسام عليها، هذه الحرب برغم سلبياتها الكثيرة إلا أنها أثبتت أن الواقعية السياسية لا يمكن تجاوزها أمام المشروعات الفرعية سواء في طهران أو تل أبيب فالمنطقة لا تقبل أن يحسم مستقبلها لصالح أي طرف من هؤلاء.
المشروعات المعزولة والفردية التي وجدت في المنطقة مصيرها النهائي مواجهة الواقع كما يؤكد التاريخ، فعندما ترفض إيران التخلي عن مشروعها القائم على نشر الأذرعة والميليشيات واختراق البنية السياسية في الدول العربية، فهذا يفرض تقييمها كرؤية متطرفة هدفها زعزعة المنطقة، كما أن رفض إسرائيل قيام دولة فلسطينية مستقلة ورفض الاقتراح السعودي الفرنسي لحل الدولتين الذي خرج من الأمم المتحدة هو كذلك تعزيز للرؤية الإسرائيلية المتطرفة.
إسرائيل تحاول أن تفرض على المنطقة أنها مستعدة لاستخدام القوة ليس فقط للدفاع عن نفسها ولكن من أجل فرض التحول الاستراتيجي للمنطقة، في نفس الوقت إيران وعبر أذرعتها تحمل ذات التفكير حول المنطقة مع اختلاف الطريقة، ومع أن كلا الدولتين تعتمدان على دعم دولي مباشر وغير مباشر عبر تحدي الضغوط الدولية إلا أن التحولات السياسية في المنطقة لا تسير في هذا الاتجاه فما فرضه تحالف مكة هو إشارة واضحة لتحول سياسي أعمق في المنطقة، ومن هنا فإن إسرائيل وإيران أمام حقيقة واضحة ترسخ أن المنطقة لا يمكنها أن تخضع لتلك الرؤى المتطرفة، فالمنطقة قادرة على التدخل الحاسم لتغيير قواعد اللعبة مهما كانت تعقيداتها.
اتفاق مكة نواة حقيقية تعيد التفكير في الشكل الذي يبدو عليه النظام الإقليمي المنتظر، فالمنطقة ترغب في إنتاج نظام قابل للحيانة يفرض تحولاً جذرياً في السلوك الإسرائيلي والإيراني، فالحقيقة السياسية تقول إن 'السلام لن يأتي من الهيمنة بل من التعاون' وإذا كانت إسرائيل وإيران ترغبان بالتواجد في المنطقة كدول مندمجة فعليهما التصرف من خلال فكرة الاندماج وتحقيق السلام وليس من خلال المحاولات الداعية لفرض النفوذ والهيمنة.
اليوم نحن في عالم يفتح المجال للمزيد من الأقطاب والقوى التي تحاول أن توجد لها موقعاً في عالم يتضاعف فيه الاستقطاب، وهنا تكون الواقعية السياسية وخلق سلام مستدام التي هي أهم ملامح هذا العصر الذي يتطلب خلق توازن إقليمي وليس صراعاً جاذباً للتنافس الدولي الداعم لفرض الهيمنة وجلب الفوضى، حيث لا يمكن بناء نظام إقليمي يقوم على تحقيق التوازن وضبط النفس، فالمنطقة اليوم ومن خلال اتفاق مكة تتبنى بوضوح الواقعية السياسية بهدف إثبات حقيقة واحدة تقول 'لا توجد محصلة صفرية يمكن التحكم من خلالها بمستقبل الشرق الأوسط'.










































