اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
إن هذا التطور والتحديث والنهضة السعودية بحسب رؤية سمو ولي العهد 2030 هو ما يجعل اليد اليمنى تتمسك بإرثها وعاداتها وتقاليدها، وباليد اليسرى التلامس العالمي من تقدم وزهو بالصناعة والتقنية والعلوم والفنون وقل ما تشاء من أساليب التقدم الحضاري، مما جعل المملكة تطير بجناحين محلقة في أفق أخّاذ يبهر العالم، ليس المحلي والإقليمي؛ بل العالمي بشهادة العالم كله..
لم تكن صدفة اختيار شعار اليوم الوطني هذا العام (عزنا في طبعنا)، وإنما جاء عن وعي ومعرفة بهوية هذه الأرض وخصائصها، وخصائص الشخصية السعودية فيها. فالطبع هو أيقونة وراثية -إن جاز التعبير- تتوارثه الأجيال، ونعتقد أنه ليس مكتسبا فيما درسناه من دراسات عديدة عن الهوية العربية بشكل عام وعن الشخصية السعودية بشكل خاص. وقد قال أجدادنا في الأمثال الشعبية (الطبع يغلب التطبع) ولما لهذه الأمثال من فلسفة خاصة تغلب الدراسات المطولة، نجد أنها تخبر الشخصية وتعلم مداركها وتطورها عبر العصور في مثل شعبي.
فالشخصية السعودية هي ذات إرث كبير من العادات والتقاليد، التي لا تزال حاضرة بوهجها وحضورها المتفرد مهما طرأ عليها من تطور وتحديث.
إن هذا التطور والتحديث والنهضة السعودية بحسب رؤية سمو ولي العهد 2030 هو ما يجعل اليد اليمنى تتمسك بإرثها وعاداتها وتقاليدها، وباليد اليسرى التلامس العالمي من تقدم وزهو بالصناعة والتقنية والعلوم والفنون وقل ما تشاء من أساليب التقدم الحضاري، مما جعل المملكة تطير بجناحين محلقة في أفق أخّاذ يبهر العالم، ليس المحلي والإقليمي؛ بل العالمي بشهادة العالم كله، وهذا أمر معلوم للعامة قبل الخاصة.
قد يقول قائل إن هذه النهضة السريعة وباذخة العطاء قد تؤثر على الأجيال الحاضرة والمعاصرة لها، ونحن نقول إنه قول يجانبه الصواب في هذا التوقع، لأسباب عديدة وأهمها أن هذا الجيل المعاصر كان جاهزا لاستقبال كل ذلك التطور، إذ إنه قد تم إعداده وصقله مسبقا بالعلم والدراسة والتلامس مع العالم الخارجي، مما صنع ما يسمى بالوعي، سواء كان وعيا مجتمعيا أو حتى سياسيا وعلميا ومعرفيا.. هذ التسلح وهذه الجاهزية سبقت إماطة الغلالة عن الشخصية، لتظهر في كامل جهوزيتها لاستقبال الرؤية وتفعيلها بأيدي شباب واعٍ متعلم ومثقف ودارس ويعلم ما هو طريق النجاح وكيف يتم الركض على هذا المضمار ليسابق الزمن في فترة وجيزة تكشف عن قدرات هذا الجيل وعن وعيه وقدرته على تحمل المسؤولية. ذلك لأنه شغوف، ومن أسمى كلمات سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- هو البحث عن الشغف، والشغف هو أسمى أدوات التمسك بتلابيب النجاح والحرص على مواصلة الاتجاه.
هذا الشغف وهذا الوعي لم يأتِ صدفة أو من فراغ، بل صنعته الدولة بمثقفيها وبالنخب الواعية وبالحرص على العلم والتعليم والصحة، وهذه هي إحدى الركائز، ثم يأتي التجديد والتطوير بيد سمو ولي العهد وبرؤيته 2030 لتكتمل الحلقة في سباق محموم بين ما تمتلكه الشخصية السعودية من وعي ومن إرث قبلي وتقاليدي، وبين معطيات ما يكتنفه العالم من تطور وتقدم، فالمملكة ليست بمعزل عن العالم وليست منكفئة على الماضي وما له تقاليد، بل تزيح الظن بأنها ذات تقاليد معرقلة لهذا التقدم، لتثبت للعالم أجمع أنه يمكن الحصول على هذه المعادلة الصعبة والتميز بها بين أطياف العالم الآخذ في تطور مذهل وسريع، وكان لها ذلك بكل اعتزاز وبكل فخر، ليس من وجهة نظر كاتب هذه السطور، بل من آراء ودراسات وتقارير عالمية خارجة عن حدود الشهادة المجروحة.
إن من إحدى دعائم هذا التميز والتفرد بالحصول على هذه المعادلة الصعبة، هو أن الماضي القريب لا يزال صاخبا حرا يموج بدواخلنا لقربه وتلامسه مع هذا التجديد مما خلق نوعا من الاعتزاز بطباعنا وتقاليدنا الفريدة، بل وإبرازها في ثوب محلي بالخيوط الحريرية ذات الطابع المحلي الفريد، ولذلك أنشأت وزارة الثقافة -برعاية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقيادة معالي وزير الثقافة سمو الأمير بدر بن عبدالله آل سعود- إحدى عشرة هيئة لتطوير القطاع الثقافي، ومنها: (هيئة الأدب والنشر والترجمة: تنشط في دعم قطاع الأدب، وتطوير صناعة النشر، وتعزيز حركة الترجمة.. هيئة الأزياء: تهتم بتطوير قطاع الأزياء ودعم المصممين والممارسين فيه.. هيئة الأفلام: تعمل على تطوير صناعة الأفلام والسينما وتشجيع الإنتاج المحلي.. هيئة التراث: تعنى بالحفاظ على التراث الوطني وحمايته وتسجيله.. هيئة فنون العمارة والتصميم: تهتم بتعزيز الفنون المعمارية ومواكبة تطوراتها العالمية.. هيئة الفنون البصرية: تشجع الفنانين الداعمين للفنون البصرية وتحفز البيئة الفنية.. هيئة المتاحف: تعمل على تطوير وتنمية المتاحف في المملكة.. هيئة المسرح والفنون الأدائية: تهدف إلى تنمية وتحفيز قطاع المسرح والفنون الأدائية.. هيئة المكتبات وهيئة التراث. وجميعها تعمل بكل مقتضيات هذا التطور مع الحفاظ على الخصوصية للشخصية السعودية وعاداتها التي قال عنها المستشرق الإنجليزي ويلفريد ويثغنر: 'ترى كيف يشعر مثل هذا العربي لو أنه زار إنجلترا لأول مرّة؟ إني لأرثي له! فسيجد فارقاً بين عادات وعادات!'.. وهذا الفارق هو طبعنا الذي هو عزنا.










































