اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
عماد بن محمد العباد
مرّ أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن طبول الحرب كانت تقرع منذ عدة أشهر، والأساطيل العسكرية كانت تتدفق إلى الشرق الأوسط بوتيرة غير مسبوقة، فإن لحظة اندلاع الحرب جاءت صادمة، الكثيرون اعتقدوا أن هذه الحشود العسكرية مجرد أدوات ضغط سياسي، وحتى أكثر المتشائمين الذين كانوا يرجحون وقوع الحرب لم يتوقعوا أن تنفجر بهذا العنف، أو أن تمتد آثارها لتطال دولاً لم تكن طرفاً في الصراع.
خلال الأيام الأولى للحرب، شهدت المنطقة توسعًا سريعًا في دائرة المواجهة، إذ اختارت إيران، وهي تواجه ما تعتبره حرباً وجودية، أن ترفع مستوى التصعيد إلى أقصى حد، بدا المشهد وكأن طهران تتبنى منطق شمشون الجبار حين هدم المعبد فوق رأسه وهو يقول: 'عليّ وعلى أعدائي'، هذا النهج لم يوسع دائرة الصراع فحسب، بل ألقى بظلال ثقيلة على أمن المنطقة، وقوّض ما تبقى من جسور الثقة بينها وبين كثير من جيرانها.
وخلال هذا المشهد المضطرب، برزت الطريقة التي تعاملت بها المملكة العربية السعودية مع هذه التطورات بوصفها نموذجاً لنهج استراتيجي طويل المدى، فالتعامل السعودي مع الأزمة لم يكن مجرد استجابة طارئة لحرب مفاجئة، بل كان نتيجة عمل تراكمي امتد لسنوات، شمل بناء شبكة قوية من العلاقات الدولية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتطوير قدرات دفاعية متقدمة، إلى جانب تبني سياسة خارجية متوازنة تسعى إلى خفض التوترات الإقليمية قدر الإمكان.
هذا التراكم الاستراتيجي هو ما منح المملكة قدرة كبيرة على امتصاص صدمة بهذا الحجم، فالدول لا تختبر جاهزيتها في لحظة الحرب فقط، بل في السنوات التي تسبقها، وعندما اندلعت المواجهة بالفعل، ظهر أثر تلك الاستعدادات بوضوح، إذ تقلصت تداعيات الأزمة على المملكة إلى حد كبير.
وعلى المستوى الداخلي، اتسم التعامل مع تطورات الحرب بدرجة عالية من الهدوء والانضباط المحسوب بدقة متناهية، فرغم حجم التصعيد في المنطقة، استمرت الحياة اليومية داخل المملكة بشكل طبيعي، لم تتعطل سلاسل الإمداد، ولم يشعر المواطنون والمقيمون بأي تغير يذكر في إيقاع الحياة، بل إن من لم يتابع الأخبار ربما لم يدرك أن المنطقة تعيش واحدة من أخطر لحظات التوتر في تاريخها الحديث.
ولا يعني ذلك أن المملكة لم تكن ضمن نطاق التهديدات، فقد تعرضت لاعتداءات عبر طائرات مسيرة وصواريخ بالستية، إلا أن مستوى الجاهزية واليقظة، بعد عناية الله، إضافة إلى كفاءة منظومات الدفاع والتعامل الهادئ والمتزن مع الأحداث، جعل تأثير هذه الاعتداءات محدوداً للغاية، وفي كثير من الحالات لم يكن الرأي العام ليعلم بوقوعها لولا البيانات الرسمية التي أعلنت عن التصدي لها.
الطريقة التي أدارت بها المملكة هذه المرحلة تكشف عن ملامح مدرسة سياسية تقوم على مزيج من الحزم والاتزان؛ جاهزية دفاعية عالية تحمي الأمن الوطني، مقابل خطاب سياسي متزن يرفض الانجرار إلى دوامات التصعيد غير المحسوب، وهذه المعادلة هي ما مكّن المملكة من عبور واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية حساسية بأقل قدر ممكن من التداعيات.
في النهاية، مثل كل الحروب الكبرى، ستنتهي هذه الحرب يوماً ما، لكن ما سيبقى في الذاكرة هو الكيفية التي أدارت بها الدول هذه اللحظة التاريخية. وفي الحالة السعودية، سيظل كثيرون يتذكرون كيف واجهت المملكة هذه العاصفة بحكمة متناهية وباستراتيجية بعيدة المدى، فمرت الأزمة على سكانها بأقل قدر ممكن من الآثار والتداعيات.










































