اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٥
يوسف حمود - الخليج أونلاين
بات أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ملامح الاقتصاد السعودي، وتوسيع حضوره الدولي على أساس من الشفافية والاستدامة والحوكمة.
في خضم التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، فرض صندوق الاستثمارات العامة (السيادي) السعودي نفسه لاعباً محورياً في مشهد الثروة السيادية، متقدماً بثبات نحو المراتب الأولى ضمن التصنيفات العالمية.
ولم يعد الصندوق مجرد ذراع مالية لدعم المشاريع الوطنية، بل أصبح أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ملامح الاقتصاد السعودي، وتوسيع حضوره الدولي على أساس من الشفافية والاستدامة والحوكمة، فصعود الصندوق لا يمكن قراءته إلا في ضوء رؤية المملكة 2030، التي جعلت من تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط ركيزة أساسية.
ووُضع صندوق الاستثمارات العامة في قلب هذه الرؤية، مستهدفاً لا تعظيم العوائد المالية فقط، بل أيضاً تحفيز القطاعات الجديدة، وتمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كما أثبت قدرته على التعامل بمرونة مع التحديات، مستفيداً من أدوات تمويل متنوعة واستراتيجيات استثمار مدروسة، دون التفريط في مبادئ الإفصاح والحوكمة.
تقدم كبير
وكشف تقرير 'GSR' العالمي، مطلع يوليو الجاري، عن دخول صندوق الاستثمارات العامة السعودي قائمة أفضل 100 مستثمر سيادي عالمياً، محتلاً الصدارة إقليمياً، ومرتبة متقدمة عالمياً من حيث معايير الحوكمة والاستدامة والمرونة.
ووفقاً للتقرير، سجل الصندوق نسبة التزام بلغت 100% في جميع المعايير، ليحافظ على ريادته في منطقة الشرق الأوسط للعام الثالث على التوالي.
ويُعد تقرير 'GSR' واحداً من أبرز المؤشرات الدولية، حيث يُقيّم أداء 200 صندوق سيادي وصندوق تقاعدي حول العالم، بإجمالي أصول تتجاوز 29.4 تريليون دولار.
ويعتمد التصنيف على 25 معياراً تشمل: الشفافية، والممارسات البيئية والاجتماعية، والإفصاح، والتنوع، والمرونة في مواجهة الأزمات.
كما يعكس تصدر الصندوق السعودي لهذا التقييم دقة بنيته المؤسسية، وتقدمه في مجالات الاستدامة والتمويل المسؤول.
من بين العوامل التي أسهمت في هذا التصنيف المتقدم، التزام الصندوق بهدف الوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2050، واعتماده معايير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، إلى جانب إطار التمويل الأخضر الذي أطلقه لدعم المشاريع البيئية.
كما يُعد الصندوق من أوائل الكيانات السيادية التي أعلنت التزامها الطوعي بمعايير 'GIPS' العالمية لقياس الأداء الاستثماري الصادرة عن معهد 'CFA'.
يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد، في تصريح خاص لـ'الخليج أونلاين':
- تصدر صندوق الاستثمارات العامة السعودي لمراكز متقدمة بين الصناديق السيادية العالمية يمثل 'نقطة تحول مفصلية' في مسيرة هذه الكيانات التنموية، وهي مفقودة للأسف في غالبية الأنظمة العربية.
- هذا الإنجاز يعكس قدرة المملكة على 'الدمج بين الطموح الاستثماري والإصلاح المؤسسي'، في إطار 'رؤية نوعية شاملة'.
- هذا التقدم لم يأتِ وليد اللحظة، بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية استباقية بدأت منذ عام 2017، حين جرى إعادة تعريف الصندوق كأداة محورية لتنفيذ رؤية السعودية 2030.
توسع مستمر
الصندوق، الذي بلغت أصوله4.321 تريليونات ريال (1.15 تريلون دولار) بنهاية 2024،يضطلع بدور محوري في تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى داخل المملكة، مثل 'نيوم' و'ذا لاين' و'مشروع البحر الأحمر'.
كما وسع نطاق استثماراته الخارجية، ليشمل شركات عالمية في مجالات التقنية، والسيارات الكهربائية، والرياضة، والألعاب الإلكترونية، ومنها حصص بارزة في شركات 'Uber' 'Lucid'، و'Nintendo' العالمية الشهيرة.
وعلى مستوى التمويل، نجح الصندوق في إصدار صكوك وسندات بقيمة ملياري دولار، وتسهيلات ائتمانية مرنة بقيمة 15 مليار دولار، ما يعكس ثقة الأسواق العالمية بأدائه الائتماني، المدعوم بتصنيفات قوية من وكالتي 'موديز' (Aa3) و'فيتش' (A+).
كما أسس برنامجاً عالمياً للأوراق التجارية، وهو ما يمنحه قدرة أعلى على تمويل مشروعاته دون المساس بسيولته الأساسية.
أما على الصعيد المحلي فيُعد الصندوق ركيزة رئيسية في تمكين أجندة الاستدامة السعودية، إذ يساهم في تطوير 70% من قدرة توليد الطاقة المتجددة داخل المملكة، بما ينسجم مع هدف المملكة لرفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 50% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول 2030، والوصول إلى الحياد الصفري بحلول 2060.
تجربة ملهمة
منذ إطلاق استراتيجيته الحالية في 2017، ساهم الصندوق في استحداث أكثر من 1.1 مليون وظيفة محلية وعالمية، مباشرة وغير مباشرة، كما ضاعف عدد شركات محفظته إلى أكثر من 90 شركة نشطة بحلول نهاية 2024.
ويُتوقع أن تتواصل مساهمته في دعم الناتج المحلي غير النفطي، في ظل التركيز على القطاعات الحيوية، مثل التقنية، واللوجستيات، والصناعات العسكرية، والسياحة، فيما يمضي بخطى ثابتة نحو تعميق أثره العالمي، عبر الدخول في شراكات دولية طويلة الأمد، وتوسيع نطاق انتشاره في الأسواق الناشئة والمتقدمة على السواء.
وفي هذا السياق يوضحالباحث الاقتصادي أحمد عيد قائلاً:
- دور الصندوق لم يعد مقتصراً على تعظيم العوائد المالية فحسب، بل امتد لقيادة مشاريع التحول الوطني، وتحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد البيئية.
- من أبرز عوامل هذا النجاح الالتزام بالحكم المؤسسي، والاستثمار المستدام، والتنوع المالي، حيث لجأ الصندوق إلى أدوات تمويل متقدمة، مثل الصكوك والسندات والتسهيلات الائتمانية، مع حفاظه في الوقت نفسه على تصنيفات ائتمانية مرتفعة، تعكس كفاءته وقدرته على تحقيق نمو مستدام.
- أهمية هذا التصنيف تتجاوز الجوانب الرمزية، إذ يسهم في تعزيز مكانة المملكة كمركز مالي واستثماري مؤثر على المستوى العالمي، كما يدفع نحو مزيد من التدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر إلى الاقتصاد السعودي.
- التجربة السعودية تمثل نموذجاً ملهماً لبقية الدول العربية، خاصة تلك التي تمتلك فوائض مالية وموارد طبيعية، ويجب تأسيس صناديق سيادية ذات طابع تنموي مستقبلي، بعيداً عن الأدوار التقليدية، بما يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.










































