اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
محمد الحمزة
مع انقضاء أيام الإجازة الصيفية السنوية بكل ما حملته بين طياتها من استرخاء وتفلت من قيود الوقت والروتين، تعود عقارب الساعة لتنضبط مجدداً على إيقاع خفوت الليل واستيقاظ الفجر؛ إنه إيقاع جرس المدرسة الذي يعلن تدشين عام دراسي جديد. ليست العودة إلى مقاعد الدراسة مجرد انتقال زمني من عطلة ممتدة إلى فصول منتظمة، بل هي محطة تتجدد فيها طاقات الطموح، وتُستأنف داخل أروقتها رحلة بناء العقول وصناعة المستقبل. وفي هذا التوقيت الحرج من كل عام، يبرز التحدي الأكبر الذي يواجه الأسرة والمجتمع على حد سواء: كيف نجعل من هذه «البداية» انطلاقة واثقة مفعمة بالشغف والأمل، بدلاً من أن تتحول إلى عبء نفسي ومصدر للتوتر والرهبة لدى أبنائنا وبناتنا؟
لقد تجاوز مفهوم التحفيز التربوي في عالمنا المعاصر تلك الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد على إلقاء الأوامر الصارمة أو الوعود المادية العابرة، وتؤكد الأبحاث الحديثة في علم النفس التربوي أن الاستثمار الأبوي الحقيقي يكمن في تغذية «التحفيز الداخلي» لدى الناشئة. إن أولى خطوات الأساليب الحديثة لكسر رهبة البدايات تبدأ بفتح قنوات الحوار الدائم والمشاركة الفعالة، بأن يجلس الآباء والأمهات مع الأبناء في جلسات غير رسمية لمناقشة تطلعاتهم ومخاوفهم، وصياغة أهداف العام الجديد معاً دون ممارسة أي ضغوط تسلطية. علاوة على ذلك، فإن بناء الشخصية الدراسية المستقلة للأبناء لا يتأتى بالمطالبة الدائمة بتحصيل أعلى الدرجات، بل بغرس «عقلية النمو» التي ترى في التعثر خطوة أساسية نحو التعلم، وفي الجهد المبذول قيمة تستحق الثناء والتقدير، مما يمنح الطفل ثقة ذاتية وقدرة على التكيف مع التحديات الأكاديمية بالصبر والمثابرة.
يملك الوالدان زمام المبادرة عبر خطوات عملية بسيطة تترك أثراً عميقاً في نفسية الطالب، فتبدأ هذه الأفكار بضبط الساعة البيولوجية تدريجياً، لتجنب الإجهاد البدني والنفسي الذي يصاحب الأيام الأولى. كما يُعد إشراك الأبناء في شراء مستلزماتهم المدرسية واختيار أدواتهم، إضافة إلى تخصيص وتصميم «ركن الدراسة» داخل المنزل بتوفير الإضاءة والهدوء اللازمين، من الوسائل التي تمنح الأبناء شعوراً بالملكية والمسؤولية الشخصية تجاه مساحتهم التعليمية. يُضاف إلى ذلك أهمية صياغة جدول يومي متوازن يجمع بين أوقات الاستذكار والأنشطة الرياضية والترفيهية، مما يحمي الطالب من تسرب شعور الضغط أو الاحتراق المبكر، ويكرس مفهوماً مفاده أن التعليم جزء ممتع من رغد الحياة اليومية.
ولابد أن يركز الآباء والأمهات مع بداية كل موسم على التهيئة العاطفية وتعزيز عادة القراءة الحرة بالمنزل دون أي ضغط أكاديمي، معتبرين أن راحة الطفل النفسية وشغفه بالاكتشاف هما الوقود الحقيقي للتفوق، وأن تُغرس قيمة الاعتماد على الذات والترتيب المنظم منذ اليوم الأول في تنظيم الجدول وتجهيز الحقيبة المدرسية، مما ينمي لديهم الانضباط الذاتي.
في المملكة يأتي دور وزارة التعليم كمحرك محوري ورئيسي في تهيئة الميدان التربوي لاستقبال الطلاب والطالبات بكل جاهزية واقتدار؛ فقد حرصت الوزارة على تنفيذ برامج تهيئة ومكثفة تشمل أسبوع التهيئة للطلاب الجدد، واستكمال جاهزية البنية التحتية والمباني المدرسية، وتوفير الكتب والمقررات الدراسية، كما طورت الوزارة المنصات الرقمية لتكون مسانداً تعليمياً وتفاعلياً للطلاب وأسرهم.
إن تحدي البدايات ليس إلا فرصة متجددة تمنحنا إياها السنون لنتكاتف جميعاً –أسرة ومدرسة ومجتمعاً– لنقول لأبنائنا إننا نقف بجانبكم نؤازر خطاكم ونحتفي بشغفكم، فالتعليم ليس سباقاً قصيراً يُقاس بالنتائج السريعة، بل هو رحلة استكشاف ممتدة لتطوير العقل وبناء الإنسان النافع لوطنه وأمته.. يقول نيلسون مانديلا: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم»، فلتكن بداياتنا المدرسية دائماً نقطة الانطلاق لتزويد أجيالنا بهذا السلاح، ليرسموا به غداً أبهى وأكثر إشراقاً للمملكة وللإنسانية جمعاء.










































