اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
كان جون سانت بيير رائد أعمال ناجحاً، أمضى خمسة عشر عاماً يعمل بلا كلل أو ملل لبناء شركة وصلت إيراداتها العالمية إلى نحو خمسة وخمسين مليون دولار. كانت تلك الشركة هي محور حياته؛ يعرف أرقام المبيعات، وخطط التوسع، ومسارات النمو، ومؤشرات الأداء. كان يعرف إلى أين تتجه الشركة، ودخل في مشاريع طموحة كثيرة إلى أن انتهى به الأمر إلى أن تعلن الشركة إفلاسها، وتتبخر الخمسة والخمسون مليون دولار وكأن شيئاً لم يكن.
يصف جون تلك اللحظات عندما عاد إلى منزله في تلك الليلة؛ إذ اكتشف للمرة الأولى أن كل تفكيره في تلك السنوات كان عن مصير الشركة ومستقبلها وإلى أين تمضي، لكنه لم يكن يعرف بالوضوح نفسه إلى أين تتجه حياته. في تلك الليلة أحس جون أن الخسارة الحقيقية لم تكن في المال وخسارة الشركة فقط، بل كما يقول: «لم يكن السؤال المؤلم هو كيف أستعيد الخمسة والخمسين مليوناً؟ بل: من أنا دون هذه الشركة؟».
اكتشف أن هويته التصقت بعمله حتى صار يظن أنه هو الشركة، وهو المنصب، وهو النمو، وهو الأرقام فقط.
في الواقع، لا تعد قصة جون استثناءً؛ فالكثير من القياديين يملكون خططاً دقيقة لأعمالهم: خطة تشغيلية، وخطة مالية، وخطة تسويقية، وخطة موارد بشرية واستثمارات، لكنهم حين يواجهون سؤالاً بسيطاً مثل: ما خطتك لحياتك خلال الثلاثين عاماً القادمة؟ يقفون حائرين وكأن السؤال خارج مجال تخصصهم، أو كأنه لا يعني لهم شيئاً.
ولعل هذا من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الكثير من المديرين والقادة، عندما يتحول النجاح المهني من وسيلة إلى هوية. فالطموح جميل، والعمل الجاد فضيلة، وبناء الشركات والمؤسسات من أعظم صور الإنجاز. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان مجرد ظل لمشروعه، أو عبداً لمؤشراته، أو رقماً إضافياً في قائمة أهدافه.
بعد تلك التجربة القاسية، تعلّم جون ما سماه «الطموح الصبور»، وهو ببساطة طموح طويل النفس، يسأل فيه نفسه قبل أن يندفع في أي قرار: هل هذا النجاح يستحق ثمنه؟ هل تستحق هذه الصفقة أن أخسر صحتي؟ هل يستحق هذا المنصب أن تتأثر علاقتي بعائلتي؟ هل أريد أرباحاً أكبر فقط، أم حياة أجمل؟
بكلمة أخرى، الطموح السريع يركز على كيف تنجح بأسرع وقت؟ أما الطموح الصبور فيركز على كيف تنجح دون أن تفقد نفسك في الطريق؟
أعاد جون هندسة حياته بالكامل، وبدأ يفكر: من أريد أن أكون؟ ما المبادئ التي لن أساوم عليها؟ ما نوع الأب، والزوج، والصديق، والقائد الذي أريد أن أكون عليه؟ بعدها عاد إلى عالم ريادة الأعمال، لكن هذه المرة بعقلية مختلفة؛ إذ صار العمل جزءاً من الحياة، لا الحياة ملحقةٌ بالعمل. واستطاع تحقيق نجاحات مهنية جديدة وبناء شركة أكبر من تلك التي أفلست.
باختصار، ربما ضيّع السيد جون خمسة وخمسين مليون دولار، لكنه استطاع أن يجد نفسه الضائعة ويعيد تصميم حياته ونظرته إلى الغاية من وجوده. الكثير منا يطمح إلى النجاحات المهنية وهذا جميل، ولكن أي نجاح مهني مهما كبر يعدّ فشلاً ذريعاً إذا كان على حساب صحة الإنسان ومبادئه وأسرته ونفسه. وأعظم نجاح مهني عندما يكون وسيلة لتحقيق غاية سامية ودافعاً لنجاحات في الحياة الحقيقية لكل منا.










































