اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
صلاح القرني
في عالم الفكر الأدبي والثقافي، يحتدّ النقاش حول وظيفة النقد: هل دوره الرئيس هو كشف الجمال وإبراز القيمة الفنية في النصوص الأدبية؟ أم أنه منصبّ في الأساس على كشف النسق الثقافي والاجتماعي المضمَر خلف العمل الفني؟ هذا السؤال ليس مجرد جدل أكاديمي، بل يتصل بكيفية فهمنا للثقافة والأدب والهوية والسلطة. هنا نستعرض هذا الخلاف من جوانبه المختلفة، ونحلّله من منظور نقدي، مع تقديم أمثلة واقعية وتأثيرات هذا الجدل على قراءاتنا للأدب اليوم.
النقد الكلاسيكي والنقد الثقافي
منذ أن ظهرت الدراسات النقدية كمنهج منظّم في القرن التاسع عشر، ارتبط النقد الأدبي بالقيمة الجمالية: اللغة، الصور، البناء، الإيقاع، الرموز، والتكوين الفني العام للنص. في هذا السياق، كان النقد يتعامل مع النص الأدبي بوصفه كيانًا مستقلاً له قواعده الخاصة، وتُعدُّ القراءات التي تُبرز الجمال الأدبي هي المعيار الأول والأساسي في الحكم على النص.
بيد أن هذا التأسيس التقليدي لم يخلُ من تحديات. مع تطور الفكر الاجتماعي والنظريات البنيوية وما بعد البنيوية في منتصف القرن العشرين، بدأ بعض النقّاد يرون أن للنصوص وظائف أبعد من الجمال وحده. هنا وُلد ما يُعرف بـ النقد الثقافي، وهو منهج يرى أن الأدب ليس مجرد «فن» قائم بذاته، بل وثيقة تعكس أنساقًا ثقافية، اجتماعية، وأيديولوجية. من أشهر الأصوات في هذا الاتجاه كان فلاسفة ومفكرون مثل ميشيل فوكو الذي شدّد على أن الخطاب لا يُقرأ بمعزل عن السلطة، وكذلك تيارات مثل الدراسات الثقافية البريطانية التي اهتمّت بتحليل العلاقة بين الثقافة والمجتمع.
وبعد انتقال هذا المنهج إلى العالم العربي، على أيدي عدد من النقّاد والأكاديميين، أصبح السؤال أكثر حِدّة: هل النقد مجرد إبراز جمال النص؟ أم هو وسيلة لاكتشاف ما وراء النص من قوى ثقافية وأيديولوجية؟
نقد جماليات أم نقد أنساق؟
منظور جماليات النص:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن وظيفة النقد الأدبي الأساسية هي إبراز القيمة الفنية والجمالية في الأعمال الأدبية. وفق هذا المنظور:
النص هو وحدة فنية تتكوّن من عناصر لغوية وصورية.
الجمال، الأسلوب، التكثيف اللغوي، التركيب الفني المتقن، هي أولويات في القراءة النقدية.
الحكم على النص ينبع من فهم داخلي للغة والبلاغة وليس من عوامل خارجية.
من هذا المنطلق، يرى النقّاد التقليديون أن النصوص الكبرى، مثل أعمال وليم شكسبير، أو غاندي، أو الشعر الجاهلي، يجب أن تُقرأ على أساس براعتها الفنية وليس على أساس ما قد تمثّله من انتماءات ثقافية أو اجتماعية.
إحدى أهم حجج هذا الاتجاه هو أن لغة الفن تتجاوز عصرها ومرجعياتها الزمانية والمكانية، وأن التركيز على الجمال يفتح آفاقًا واسعة للمتلقي كي يعيش النص ويتفاعل معه بصورة مباشرة.
منظور كشف النسق الثقافي
في المقابل، يقدّم أنصار النقد الثقافي رؤية مخالفة ترى أن النقد لا يمكن أن يظل معزولًا عن ما تحمله النصوص من دلالات ثقافية واجتماعية:
كل عمل أدبي ليس مجرد شكل جميل، بل هو انعكاس لمجتمع، لقيم، لأيديولوجيات.
النصوص الكبرى قد تنطوي على تعزيزات للصورة النمطية، علاقات السلطة، البنى الطبقية.
وظيفة النقد ليست فقط إبراز الجمال، بل تحليل الأنماط التي تكرّس فهمًا معينًا للواقع.
وفق هذا المنظور، يصبح العمل الأدبي مشحونًا بدلالات تتجاوز حدود الجمالية الذاتية. فمثلاً، قراءة رواية ما لا تتوقف عند اللغة أو السرد، بل تمتد إلى كيفية تقديمها لشخصيات من جنس أو طبقة اجتماعية معيّنة، وكيف تتعامل مع قضايا السلطة، الهوية، الجنس، والعرق.
النقاد الثقافيون يرون أن هذا المنهج يساعد على كشف ما يسميه بعضهم «النسق الثقافي المضمَر» الذي يمارس تأثيرًا قويًا على المتلقي، وقد يكون متضمّرًا خلف الجمال نفسه.
المنهج النقدي في التطبيق
الاختلاف النظري يصبح أكثر وضوحًا عندما نطبّق كلا المنهجين على نص واحد، فمثلاً: لدينا رواية معاصرة تتناول حياة شاب في مجتمع سريع التغيّر. من منظور جماليات النص: سينظر الناقد إلى لغة السرد، إيقاع الحوارات، رموز المكان، تماسك الحبكة.
وسيُقيّم العمل بحسب مدى إتقانه الفني وقدرته على خلق تجربة جمالية لدى القارئ.
أما من منظور النقد الثقافي: فسيركّز الناقد على كيفية تمثيل الشباب في الرواية، ما إذا كان النص يعزّز قيمًا معينة أو يهاجم أخرى.
وسينظر إلى البنية الاجتماعية التي يعرضها النص، مثل الطبقية، القوة، الهوية الثقافية.
بهذا المثال، يتضح أن قراءة واحدة من منظور جماليات قد تترك جوانب ثقافية مهمة دون تحليل، في حين أن القراءة الثقافية قد تتجاهل لغويات النص وتماسكه الفني لصالح الكشف عن أنماط نسقية.
تأثير الخلاف
يؤثر هذا النزاع النقدي أيضًا على المناهج الأكاديمية في الجامعات. ففي بعض البرامج الدراسية، يبدأ الطلاب بدراسة التحليل البنيوي والجماليات اللغوية قبل أن يتدرّجوا إلى النقد الثقافي وقراءات ما بعد الاستعمار والجندر. في مقابل ذلك، هناك مناهج تضع النقد الثقافي في صدارة المنهج من بداية الدراسة، معتبرة أن الجماليات وحدها لا تكفي لفهم النصوص في سياقاتها المعاصرة.
قراءة متوازنة.. بين الجمال والنسق
مع أن الخلاف قائم، إلا أن هناك تيارًا ثالثًا يسعى إلى الدمج بين المنهجين:
لا يمكن تجاهل جماليات النص لأنها أساس تميّزه.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل النص عن السياق الثقافي الذي ينشأ فيه.
هذا التوازن يجعل النقد أكثر شمولًا، ويمنع الجمود في قراءة أحادية البعد. في هذا النموذج، يُنظر إلى النص كـ عمل فني معبّر عن سياق ثقافي، ولذا تُعدّ كلا القراءتين ضرورية لإلقاء ضوء كامل على العمل.
السؤال هل وظيفة النقد كشف الجمال أم كشف النسق؟ ليس سؤالًا بصيغة اختزال بقدر ما هو مفتاح لفهم أعمق للوعي الثقافي والأدبي. الجمال والنسق ليسا عدوين، بل وجهان لعملة واحدة في القراءة النقدية. فالجمال في النص يمنح القارئ متعة وفهمًا فنيًا. والنسق يحلّل السياق الثقافي ويكشف الطبقات المضمرة خلف النص.
في نهاية المطاف، النقد الحقيقي هو ذلك الذي يستوعب البعدين معًا، ويمنح القارئ قراءة متوازنة تُغنيه فكريًا وجماليًا في آنٍ واحد.










































