اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
فهد الأحمري
حين يُذكر التحول السعودي، يذهب الذهن غالبا إلى النفط؛ إلى تلك اللحظة التي خرج فيها الذهب الأسود من باطن الأرض، ثم خرجت معه مدن وطرق ومطارات وجامعات واقتصاد مختلف.
لكن قبل النفط بوقت طويل، كان هناك سائل آخر يرسم حياة الناس بصمت (الماء).. كان أجدادنا يعرفون قيمة القطرة قبل أن يعرفوا قيمة البرميل. لم تكن البئر مكانا يُستقى منه فحسب، ولا المطر مجرد خبر في أحوال الطقس، ولا الوادي منظر عابر؛ كانت كلها علامات للحياة، تحدد أين تُبنى القرية، وأين تستقر الأسرة، وأين تُزرع الأرض.
ولهذا تبدو لافتة عودة السعودية اليوم إلى العالم من بوابة الماء.. ففي نيويورك، قبل أيام، وعلى هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ترأست المملكة والسنغال، بالتعاون مع المنظمة العالمية للمياه، اجتماعا وزاريا رفيع المستوى بعنوان 'متحدون من أجل المياه: دعوة للعمل الجماعي'.
المفارقة هنا تستحق التأمل: بلد اشتهر عالميا بما تحت أرضه من نفط، يتقدم اليوم للحديث عما فوقها من ماء.
ولم تأتِ هذه الحساسية من فراغ؛ فالسعودية من أكثر البيئات شحا في المياه المتجددة، وجعلت استدامة الموارد وإدارة الطلب وحماية المخزون المائي من أهداف استراتيجيتها الوطنية للمياه 2030.
النفط والماء، على اختلافهما، يرويان شيئا من حكاية السعودية الحديثة: الماء كان نادرا فصنع علاقة الإنسان بالمكان، والنفط كان وفيرا، فغير علاقة المكان بالعالم.
الأول جعل الإنسان يبحث عن الحياة، والثاني منحه أدوات لتغيير شكلها.
وبين قطرة كانت تُجلب من مسافات بعيدة، وماء يصل اليوم عبر منظومات ضخمة للتحلية والنقل، قصة وطن تغير فيه حتى معنى الندرة والوفرة.. ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى أمن المياه كشأن خدمي فقط.. فالقرن العشرون علّم العالم أن الطاقة قادرة على إعادة تشكيل السياسة والاقتصاد، والقرن الحادي والعشرون يعيده إلى حقيقة أقدم، وهي: يمكن للإنسان أن يعيش دون أشياء كثيرة صنعها الثراء، لكنه لا يستطيع أن يعيش دون الماء.
غيّر النفط شكل حياتنا، لكن الماء هو الذي جعل الحياة ممكنة أصلا.. ولهذا؛ عندما يتحدث العالم اليوم عن مستقبل الماء، تعرف السعودية جيدا معنى أن تكون القطرة ثروة قبل أن يصبح البرميل ثروة.










































