اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
بعد عقد من انطلاق الدفعة الأولى من برنامج 'قادة الإعلام' ستكون أمامنا دراسة تجيب عن السؤال الذي بدأنا به: ماذا تغير عندما عاد هؤلاء القادة إلى مؤسساتهم؟ عندها ستكون لدينا قصة أخرى تستحق أن تُروى: تجربة سعودية تصنع القيادات، وتراكم المعرفة حول رحلتها في صناعة القيادة الإعلامية..
عاد أربعون قائدًا وقائدة من بريطانيا وفرنسا بعد اختتام النسخة الثانية من برنامج 'قادة الإعلام'، انتهت الرحلة المعرفية، والتُقطت الصور الجماعية، وعاد كل مشارك إلى مؤسسته. بالنسبة لي، هنا يبدأ الجزء الأكثر أهمية في البرنامج: ماذا سيحدث صباح اليوم التالي؟
السؤال يتجاوز ما تعلمه القائد خلال البرنامج إلى ما سيبقى معه بعد عام أو خمسة أو عشرة أعوام. هل ستتغير طريقة قيادته؟ هل ستنتقل المعرفة إلى فريقه؟ وهل تلتقط المؤسسة شيئًا من هذه التجربة؟ هنا تصبح عبارة 'صناعة مستقبل إعلامنا'، وهي العبارة المهنية التي استخدمها نائب وزير الإعلام الدكتور عبدالله المغلوث عند اختتام النسخة الثانية، سؤالًا يمكن قياسه.
ولدي سبب شخصي للاهتمام بهذا السؤال. بحكم خبرة سنوات قضيتها في الإعلام والاتصال المؤسسي، أعرف عددًا كبيرًا من المشاركين في الدفعتين، وبعضهم عن قرب. وما سمعته منهم يستحق التوقف؛ فقد تحدثوا عن استفادة حقيقية وصلت إلى طريقة التفكير والقيادة، ورأيت لدى بعضهم كيف وجدت مهارات اكتسبوها في البرنامج طريقها إلى ممارساتهم داخل مؤسساتهم. وهذه شهادة مهنية أضعها بحذر، مصدرها أشخاص عاشوا التجربة، وليست نتيجة دراسة تقويمية.
النسخة الأولى جمعت أكثر من 40 قائدًا وقائدة على مدى أربعة أشهر، وتضمنت 90 ساعة تدريبية قدمها 21 خبيرًا دوليًا، وسبع زيارات ميدانية، عبر محطات في لوزان والرياض وسنغافورة، ثم مرحلة ختامية في الرياض بالتعاون مع جامعة تكساس في أوستن. أما النسخة الثانية فضمت 40 قائدًا وقائدة، و48 ساعة تدريبية قدمها تسعة خبراء دوليين، وأربع زيارات ميدانية في بريطانيا وفرنسا.
في معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، تحضر القيادة الإعلامية كمجال يستحق التأهيل المستقل. فالمهارة المهنية التي تدفع صاحبها إلى موقع متقدم في المؤسسة قد تختلف عن المهارات التي يحتاجها لاحقًا لقيادة البشر وإدارة التغيير واتخاذ القرار. هذه المسافة بين 'المهني' و'القائد' هي، في تقديري، إحدى المساحات المهمة التي يتحرك فيها 'قادة الإعلام'.
ويبقى السؤال: كيف نعرف بعد سنوات مقدار ما بقي من التجربة؟
هنا يمكن للبحث العلمي أن يضيف للبرنامج مرحلة مختلفة. أقترح أن تطلق أكاديمية الإعلام السعودية دراسة طولية تتبعية (Longitudinal Follow-up Study) لخريجي 'قادة الإعلام'، تبدأ بخط أساس (Baseline)، ثم تعود إليهم بعد عام، وثلاثة أعوام، وخمسة، وعشرة، لرصد انتقال التعلّم (Learning Transfer) إلى بيئة العمل والمسار القيادي.
والفكرة لها سند بحثي مهم. مراجعة نطاقية منشورة في Current Psychology عام 2024 حللت 19 دراسة طولية في تطوير القيادة، شملت 2776 مشاركًا و88 موجة قياس. تفاوتت مدد الدراسات التي راجعتها، ووصلت المتابعة في بعض النماذج الممتدة إلى سنوات طويلة. وهذا يذكرنا أن تطور القيادة عملية زمنية، وأن القياس القريب من نهاية البرنامج لا يكشف وحده ما يستقر لاحقًا في الممارسة.
وهناك دراسة أحدث وأكثر قربًا من فكرتنا. ففي 2026 نُشرت دراسة طولية في The International Journal of Management Education تابعت 170 مشاركًا من 47 دولة، ضمن 12 دفعة لبرنامج في تطوير القيادات التنفيذية، على مدى 24 شهرًا. وأظهرت النتائج أن بعض المكاسب القيادية والنتائج المهنية تتبلور مع الزمن، وهو ما يعيدنا إلى جوهر السؤال: ماذا يبقى من البرنامج عندما يعود القائد إلى مؤسسته؟
تخيل قيمة تطبيق ذلك على 'قادة الإعلام': أين أصبح الخريجون بعد خمس سنوات؟ ما المبادرات التي أطلقوها؟ ماذا انتقل منهم إلى فرقهم؟ وما التحولات التي قادوها داخل مؤسساتهم؟ هنا تتحول تجربة تدريبية ناجحة إلى معرفة سعودية يمكن الرجوع إليها وتطويرها.
وبعد دفعتين، تتشكل أيضًا نواة رأس مال قيادي يمكن أن تنمو إلى شبكة وطنية لخريجي البرنامج، تتبادل الخبرات وتناقش حالات سعودية حقيقية. ثم تأتي خطوة أطمح أن نصل إليها: إنتاج دراسات حالة سعودية (Case Studies) في الاتصال الحكومي، والسمعة، والتحول الرقمي، والأزمات، وإدارة الأحداث الكبرى. وربما تصبح الرياض يومًا محطة يأتي إليها قادة إعلام من الخارج لدراسة تجربة سعودية.
استمرار البرنامج لنسخة ثانية، بدعم قدير من وزير الإعلام سلمان الدوسري، يعكس اهتمامًا بالاستثمار في القيادات الإعلامية على المدى الطويل. ويُحسب لأكاديمية الإعلام السعودية، التابعة لوزارة الإعلام، أنها منحت هذا الاستثمار مسارًا منظمًا يجمع المعرفة والتجارب الدولية والاحتكاك المهني. وأحسب أن الدراسة الطولية ستكون امتدادًا معرفيًا جميلًا للتجربة؛ فالأكاديمية التي تصنع برنامجًا للقيادات تستطيع أيضًا أن تصنع معرفة علمية موثقة عن رحلة هؤلاء القادة.
أتخيل بعد عقد من انطلاق الدفعة الأولى أن تكون أمامنا دراسة سعودية تجيب عن السؤال الذي بدأنا به: ماذا تغير عندما عاد هؤلاء القادة إلى مؤسساتهم؟ عندها ستكون لدينا قصة أخرى تستحق أن تُروى: تجربة سعودية تصنع القيادات، وتراكم المعرفة حول رحلتها، وربما تضع مع السنوات ملامح مدرسة سعودية في صناعة القيادة الإعلامية.










































