اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ تموز ٢٠٢٦
أحمد الغنام
كثيراً ما يقف المبدع –سواء كان كاتباً، أو خطاطاً، أو فناناً تشكيلياً، أو نحاتاً– رهينةً لانتظار «الشرارة الأولى» أو ما يُعرف بالهاجس الملهم، وعندما يتأخر هذا الهاجس أو يتوارى خلف ضغوط الحياة ويومياتها، يصاب الإبداع بحالة من الشلل المؤقت، ويقف صاحبه عاجزاً عن الإتيان بفكرة تسعفه في إنجاز عمله المرتقب.
غير أن المبدع الحقيقي لا يُفترض أن يرتهن كلياً لعفويّة الإلهام؛ بل يتحتم عليه في أوقات الجدب أن يكون صانعاً لهاجسه، لا منتظراً له فحسب.
الهاجس.. ضرورة لا ترف عاطفي
إن افتراض أن الإبداع لا يولد إلا عفوياً هو فهم قاصر لطبيعة العملية الفنية، فالأمر يتجاوز حدود التعبير عن شعور طارئ، ليكن عملية بناء واعية ومقصودة.
عليه توجيه البوصلة فغياب الهاجس يعني غياب الهدف، وغياب الهدف يحيل العمل الفني إلى مجرد ضربات فرشاة عشوائية أو كلمات جوفاء لا روح فيها.
كما أن وجود فكرة موجّهة –حتى وإن تم استدعاؤها وتحفيزها قسراً– يمنح المتلقي خيوطاً دلالية يستطيع من خلالها بناء علاقة تفاعلية مع العمل، تغذي خياله وتنمي ذائقته الجمالية.
قد يسأل أحدهم هل يمكن للهاجس أن يكون «مصنوعاً» أو «مزيفاً»؟
يبدو التعبير للوهلة الأولى مفارقاً؛ فكيف للهاجس –الذي يُفترض فيه الصدق والعمق– أن يكون مصنوعاً؟ المقصود هنا ليس النفاق الفني، بل الاستدعاء الواعي للدافع، فعندما يعجز المبدع عن إيجاد قضية تلهمه، عليه أن يتقمص شغفاً، أو يختلق قضية، أو يؤطر فكرة بحثية يحيطها بعناية وكأنها وليدة وميض داخلي مفاجئ.
هذا «الصنع الواعي» للهاجس يمر عبر عدة خطوات.. أهمها: إجبار العقل على الاشتباك مع موضوع معين كحركة السكون في الخط، أو تجريد الكتلة في النحت، والتعايش الفني بغمس الذات تدريجياً في هذا الموضوع المصنوع حتى يكتسي صبغة الصدق الفني، فيتحول من فكرة باردة إلى هاجس محرك، ويبقى الأهم ربط الموضوع بهدف دلالي واضح يخاطب وجدان المتلقي وعقله.
سقوط مبرر التخاذل
«ليس على المبدع أن يتخاذل بحجية عدم وجود هاجس»، قد تمثل هذه العبارة سياط اليقظة في وجه الكسل الإبداعي. فالتذرع بـ»غياب الإلهام» هو في كثير من الأحيان غطاء نفسي للتهرب من مشقة العمل ومكابدة الإنتاج.
فالتاريخ الفني والأدبي يزخر بأسماء خاضت مخاضاً عسيراً لإنتاج أعمال خالدة لم تكن وليدة إلهام مفاجئ، بل وليدة انضباط صارم، وإرادة صلبة في صناعة الدافع وحفر صخر الفراغ حتى يتدفق الإبداع.
أخيراً..
على المبدع ألاّ يكتفي بالجلوس في محطة الانتظار ريثما يمر قطار الإلهام؛ بل عليه أن يمد سكك الحديد بيده إن تعطلت الرحلة، ويدرك أن صناعة الهاجس وتأطير الفكرة هما عربتان أساسيتان للوصول بالمتلقي إلى محطات الدهشة، حيث ينمو الخيال وتزهر الجماليات وتكتمل دوران العجلة الإبداعية.










































