اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
أتذكَّر جيدًا عندما أهداني صديقي الأستاذ «حمد آل حزيه» رواية «موتٌ صغير» الفائزة بجائزة الرواية العربية 2017م لمحمد حسن علوان وقال لي حينها: «خُذها بقوَّةٍ وتجلَّ، فستشعر أنّك في عالم غير عالمك، وفي خلوة غير خلوتك…» وأخذ يصف لي سلاسة الألفاظ وتناسل المعاني. فقلتُ له وقد تشظّى بداخلي شغفي: «حسبك.. إياك أن تُحرقها فيَحترق معها انطباعي الأوّل».
إنّ أجمل ما في الكُتب التي تأتينا من الأصدقاء أنَّها لا تدخل مكتباتنا محفوفة، بل تأتينا مصحوبةً بأصواتهم وأفكارهم وشيءٍ من أرواحهم. وهكذا كانت «موتٌ صغير». فلم تكن روايةً أبحث عنها، وإنّما جاءتني محمولةً وكأنَّها موعد على تخوم المعنى مع عالَمٍ لم أكن أعرف أنَّني سأمكث فيه لأمد.
حين شرعتُ في قراءتها أدركتُ أنَّ صديقي لم يكن يُبالغ كثيرًا بوصفها، فالروايةُ تأخذنا إلى عالَم محيي الدين ابن عربي ذلك المتصوِّف الذي تحوَّلت حياته إلى رحلةٍ طويلة بين المُدن والوجوه والأفكار من الأندلس إلى المغرب والمشرق.. مرورًا بمحطَّاتٍ تتداخل فيها الجغرافيا بالروح، والتاريخ بالتخييل، والبحث عن المعرفة بالبحث عن الذات.
غير أنَّ محمد حسن علوان لم يُقدِّم لنا سيرةً تاريخيةً بالمعنى التقليدي، بل أعاد تشكيل الشخصية في فضاءٍ روائيٍّ تتجاور فيه الوقائع المتخيَّلة مع الوقائع التاريخية، ليصبح ابن عربي إنسانًا يتألَّم ويُحبُّ ويفقد ويرتحل قبل أن يكون اسمًا كبيرًا في تاريخ التصوُّف.
وهنا تحديدًا وجدتُ نفسي أمام ما يُمكن أن أسمِّيه جماليات المسافة بين الشخصية التاريخية والشخصية الروائية؛ فالأولى تستدعي من القارئ أسئلته المعرفية والفكرية، أمَّا الثانية فتستدرجه إلى عالمها الإنساني وتجعله يتتبَّع تحوُّلاتها ويُصغي إلى هواجسها ويشاركها شيئًا من غربتها. وقد نجح علوان في توظيف هذه المسافة ليمنح الشخصية حياةً سرديةً تتجاوز حدود الترجمة التاريخية دون أن تنفصل تمامًا عن ملامحها المعروفة.
ولم يكن أكثر ما استوقفني في الرواية اتساع رحلات ابن عربي ولا تعدُّد الشخصيات التي عبَرت حياته، بل تلك البنية السردية التي استطاعت أن تجعل من الارتحال الخارجي صورةً للارتحال الداخلي.
وكلَّما مضيتُ في صفحات الرواية صرت أشعر أنَّ المكان يتراجع شيئًا فشيئًا أمام المعنى، وأنَّ الرحلة لم تعد انتقالًا من مدينةٍ إلى أخرى، بل انتقالًا من سؤالٍ إلى سؤالٍ أكثرَ إلحاحًا.
إنّها إحدى المزايا التي أراها في البناء الروائي المُتقن؛ حيث يتحوَّل الحدث من مُجرَّد واقعةٍ تُروى إلى تجربةٍ تتجاوز حدودها المباشرة، ويُصبح الزمن عُنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي وليس وعاءً مُحايدًا تتعاقب داخله الوقائع.
وأحسب أنّ جميل صُنع علوان يكمن في عدم ترك الحكاية أسيرة صوتٍ واحدٍ أو زمنٍ واحد، لقد أقام تعدُّد الأصوات ببناء سردي تتقاطع فيه سيرة ابن عربي مع رحلة المخطوط الذي يحملها عبر قرونٍ متعاقبة؛ إذ يموت صاحب الحكاية بينما تظل الحكاية نفسها مقاومةً للفناء.
وهكذا تتشكَّل أمام القارئ رحلتان مُتوازيتان تتمثلان في رحلة الإنسان في حياته، ورحلة النصِّ بعد غياب صاحبه. وإذا ما كان الموت يضع حدًّا للحياة البيولوجية، فليس أقلّ الكتابة أن تمنح صاحبها شكلًا آخر من الحضور، وتفتح أمام تجربته أبوابًا لم يكن بوسعه أن يعبرها في حياته.
وقد وجدتُ في هذه المفارقة ما يستحقُّ التأمُّل؛ فالإنسان يرحل، ولكنَّ أثره قد يواصل السفر، وتغيب ملامحه بينما تظلُّ كلماتُه قادرةً على استدعاء حضوره في أزمنةٍ لم تُتح له وأمكنةٍ لم تطأها قدماه. وكأنَّ الرواية من خلال حكاية المخطوط تشتبك مع سؤالِ المصير الذي تؤول إليه الأفكار حين تنفصل عن أصحابها، وتُصبح جُزءًا من ذاكرة الآخرين.
غير أنَّ إعجابي بهذا البناء الفني لا يعني بالضرورة أنَّني أتَّفق مع التصوُّرات الفلسفية والصوفية التي ارتبطت بشخصية ابن عربي. فثمَّة فرقٌ جوهريٌّ بين أن نُعجب بالطريقة التي يُبنى بها المعنى فنتبنَّى المعنى ذاته؛ وبين أن نستمتع بقدرة النصِّ على تمثيل تجربةٍ فكريةٍ معيَّنة دون أنّ نُسلِّم بصحَّة تصوُّراتِ ومعتقدات التجربة.
وهذه المسافة النقدية -في تقديري- ليست عائقًا أمام الاستمتاع بالأدب، بل هي شرطٌ من شروط القراءة الواعية الناقدة. فليس مطلوبًا من القارئ أن يتخلَّى عن قناعاته كلَّما دخل عالمًا روائيًّا مختلفًا، بل ليس مطلوبًا منه أن يُقصي النصَّ لمجرَّد أنَّه لا يوافقه في مرجعيته الفكرية؛ إذ إنَّ الأدب يُتيح لنا أن نفهم التجارب الإنسانية من داخلها أحيانًا (بنيويًّا) دون أن يفرض علينا اعتناقها، وأن نتأمَّل الأفكار في سياقاتها النفسية والتاريخية دون أن نمنحها بالضرورة صكَّ القبول.
ومن هنا.. فإنَّ موقفي من ابن عربي بوصفه شخصيةً فكريةً يختلف عن موقفي منه بوصفه شخصيةً روائية.
فالأوَّل يستدعي النظر في أطروحاته ومفاهيمه ومرجعياته العقدية والفلسفية، وما يثيره بعضها من إشكالاتٍ وتساؤلات.
بينما يستدعي الثاني النظر في كيفية تشكُّله داخل النصِّ، وفي قدرة الكاتب على تحويل تجربته إلى مادةٍ سرديةٍ حيَّة؛ حيث إنّ الخلط بين المستويين قد يجعل القارئ يُصدر حكمًا على العمل الفنِّي من خارج أدواته، أو ينقاد بالمقابل إلى قبول أطروحات الشخصية لمجرَّد أنَّ الكاتب أحسن تقديمها.
فلستُ أرى أنَّ جمال العبارة دليلٌ على صحَّة الفكرة، كما أنَّ اختلافنا مع الفكرة لا يسلب العبارة جمالها. فقد يُحسن الكاتب بناء عالمٍ لا ننتمي إليه، ويمنحنا القدرة على رؤيته من الداخل دون أن يصبح ذلك العالم امتدادًا لقناعاتنا.
ولعلَّ هذا ما جعل تجربتي مع «موتٌ صغير» أكثر ثراءً؛ فقد كنتُ أقرؤها بعينٍ تتذوَّق الفنَّ وأخرى تتأمَّل الفكر دون أن أسمح لإحداهما بأن تصادر وظيفة الأخرى.
وعلى مستوى اللغة وجدتُ أنَّ الرواية تستمدُّ جانبًا من جاذبيتها في قدرتها على الموازنة بين التعبير الشاعري والحركة السردية. فاللغة لا تكتفي بوصف الوقائع بقدر ما تسعى إلى استنطاق ما وراءها بإضفاء أبعادٍ وجدانيةٍ على التجربة.
ومع ذلك، فإنَّ اللغة التي تتكئ على التأمُّل والاستبطان قد تُبطئ أحيانًا إيقاع الحكاية، وتدفع القارئ إلى التوقُّف طويلًا أمام الفكرة قبل أن يواصل تتبُّع الحدث. وقد لا يجد القارئ الباحث عن تسارع الوقائع في هذه المساحات ما يشدُّه، لكنَّها كانت بالنسبة إليَّ جزءًا من طبيعة التجربة التي أراد الكاتب تشكيلها.
لذا يبدو أنّ عنوان الرواية نفسه يختزل جانبًا من رؤيتها للوجود؛ فـ»موتٌ صغير» لا يُحيل بالضرورة إلى الفناء الأزلي بقدر ما يستدعي تلك الخسارات المتكرِّرة التي تُصيب الإنسان في مسيرته حين يفقد عزيزًا أو يُغادر مكانًا أو يودِّع صورةً قديمةً من ذاته.
وقد أعادني هذا المعنى إلى تأمُّل علاقتنا بالقراءة ذاتها؛ فالكتاب الذي نغلقه بعد الانتهاء منه لا يغدو الكتاب الذي فتحناه في البداية، وإنما وعي قد تحرَّك. وربَّما كانت قيمة الرواية في قدرتها على إحداث هذه الحركة، وعلى دَفعنا إلى مُساءلة ما كنَّا نظنُّه مُستقِرًّا في داخلنا حتى وإن أنهينا إلى التمسُّك بقناعاتنا الأولى.
حين أغلقتُ الصفحة الأخيرة من «موتٌ صغير»، عادت إليَّ كلمات صديقي الأستاذ حمد آل حزيه، وتذكَّرتُ تحذيري له من أن يُحرق الرواية قبل أن أقرؤها. ابتسمتُ حينها.. وما ذاك لأنَّ انطباعي جاء مُطابقًا لانطباعه فحسب، بل لأنَّ الرواية استطاعت أن تمنحني تجربتي الخاصة، وأن تفتح أمامي عالمًا لم أكن مُضطرًّا إلى الانتماء إليه لولا متعة استكشافه.
لقد خرجتُ من الرواية بإعجابٍ واضحٍ ببنيتها الفنية، وبقدرة محمد حسن علوان على تحويل السيرة إلى حكايةٍ تتجاوز صاحبها، وبمهارته في جعل المخطوط امتدادًا لحياةٍ انقضت.. غير أني خرجتُ منها أيضًا مُحتفظًا بمسافتي الفكرية من ابن عربي.
وربَّما كان هذا أعمق درس تركته الرواية في نفسي، وهي أنَّ القراءة ليست تنازلًا عن حقِّنا في الاختلاف، بل هي لقاءٌ حرٌّ بين عالَمين قد يلتقيان في الجمال ويفترقان في الفكرة دون أن يُفسد افتراقهما متعة ذاك اللقاء.
وحسبُ الأدب أحيانًا أن يأخذنا إلى حيث لم نكن، ثم يُعيدنا إلى حيث أنفسنا أكثرَ قدرةً على التأمُّل، وأكثر وعيًا بالمسافة بين ما نقرؤه وما نعتقده.










































