اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ أب ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
«راكبٍ راسه» تعبير شعبي نصف به من يتمسك برأيه ويرفض التغيير حتى وإن تغيّر كل شيء من حوله، والعناد قد يكون محمودًا حين يتعلق بالمبادئ، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى مقاومة للواقع، وفي الإعلام تحديدًا هناك من لا يزال «راكبٍ راسه» أمام تحولات المهنة، متمسكًا بأدوات الأمس في عالم يصنع أدوات جديدة كل يوم.
لا أحد يختلف على أن المبادئ الإعلامية لا تتغير، لكن الوسائل تتغير كل يوم، والمشكلة ليست في الإعلامي الذي يحترم المدرسة التقليدية، بل في الذي يرفض أن يغادرها، ويعتقد أن كل جديد تهديد للمهنة، وأن التقنية خصم للإعلام، وأن الذكاء الاصطناعي مؤامرة على الصحافة.
هذا النوع من الإعلاميين يعيش معركة مع الزمن، بينما الزمن نفسه لا يلتفت إليه، فالعالم لا ينتظر أحدًا، والتطور لا يستأذن أحدًا، ومن يقرر الوقوف في مكانه سيكتشف بعد سنوات أنه لم يحافظ على مكانه، بل تراجع خطوات إلى الخلف.
نعيش اليوم مرحلة ربما تكون الأسرع في تاريخ الإعلام منذ اختراع المطبعة، فالتقنية والشبكات الاجتماعية والتضخم المعلوماتي والذكاء الاصطناعي أعادت تشكيل صناعة المحتوى، وما كان يحتاج إلى غرفة أخبار متكاملة أصبح يُنجز من الجوال، ولو عدنا إلى عام 2020 وأخبرنا إعلامي أن الذكاء الاصطناعي سيكتب ويترجم ويحلل البيانات ويصمم الصور وينتج الفيديوهات ويحاكي الأصوات، لربما اتهمناه بالمبالغة، لكن الواقع تجاوز التوقعات.
ولا يزال بعض الإعلاميين متقوقعين خلف عقلية الصحف أو مايكروفونات الإذاعة أو الاستوديوهات التقليدية، بينما تجاوز الإعلام ذلك بكثير، فالجمهور لم يعد ينتظر الصحيفة صباحًا ولا نشرة الأخبار مساءً، بل تصله الأخبار لحظة وقوعها عبر هاتفه ومنصاته ومن أشخاص قد لا يحملون أي صفة إعلامية.
وتشير هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية في تقرير «إنترنت السعودية 2025» إلى أن 45.2% من مستخدمي الإنترنت في المملكة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما يقضي 61.3% منهم سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الإنترنت، وهو ما يعكس التحول المتسارع في سلوك الجمهور، ويؤكد أن الإعلامي الذي لا يواكب هذا التحول يخاطر بالابتعاد عن جمهوره.
لذلك فإن مقاومة التطور لم تعد موقفًا مهنيًا، بل مخاطرة مهنية، ويشير تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 39% من المهارات الحالية ستتغير بحلول عام 2030، وأن التعلم المستمر سيكون من أهم متطلبات البقاء في سوق العمل، كما تشير تقديرات McKinsey إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيعيد تشكيل طبيعة كثير من الوظائف، ما يعني أن الإعلامي سيجد نفسه ينافس أشخاصًا يستخدمون التقنية بكفاءة أعلى، وليس التقنية نفسها.
ومع ذلك فإن مواكبة التحولات لا تعني التخلي عن المبادئ، فالذكاء الاصطناعي لا يمنح المحتوى ضميرًا، ولا يصنع حسًا إعلاميًا، ولا يتحمل مسؤولية أخلاقية عن رسالة خاطئة، كما تبرز تحديات ملكية المحتوى والتحيزات الثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية، وهي قضايا لا يزال العالم يبحث عن أطر متوازنة للتعامل معها.
وعلى الإعلامي أن يتعلم الأدوات الجديدة، ويجرب تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويراقب تغير سلوك الجمهور، ويستثمر في مهاراته، وعلى المؤسسات الإعلامية إعادة تأهيل كوادرها وتحديث بيئات العمل وتشجيع الابتكار، فالمنافسة لم تعد بين صحيفة وأخرى أو قناة وأخرى، بل بين كل من يستطيع الوصول إلى الجمهور بمحتوى موثوق ومؤثر.
والتاريخ يخبرنا أن من قاوم المطبعة خسر، ومن قاوم الإذاعة تأخر، ومن قاوم التلفزيون تراجع، ومن قاوم الإنترنت اختفى، واليوم يقف الإعلام أمام محطة جديدة، والقطار انطلق بالفعل، والسؤال لم يعد هل ستركبه، بل متى سيكون ذلك؟.










































