اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦
منذ تأسيس الأمم المتحدة، بقي مجلس الأمن أسير معادلة شديدة الحساسية. خمس دول دائمة العضوية تملك حق الفيتو، بينما بقية العالم يراقب كيف يمكن لقرار واحد أن يتوقف أمام إرادة دولة واحدة.
لكن ماذا لو دخل إلى هذه المعادلة طرف لا يحمل علمًا، ولا يمثل حكومة، ولا يبحث عن نفوذ؟
ماذا لو أنشأت الأمم المتحدة «مقعدًا سادسًا» افتراضيًا، تديره منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة، تكون مهمتها مراجعة القرارات الكبرى وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والوقائع الموثقة والآثار الإنسانية، ثم تضع تقييمها أمام العالم بشفافية؟
الفكرة ليست أن نحكم العالم بالآلة، ولا أن نستبدل الدبلوماسيين بالخوارزميات. الفكرة أبسط وأعمق: أن نضيف إلى طاولة السياسة مرجعية لا تدخل المفاوضات وهي تحمل مصالح دولة.
لكن تحويل الفكرة من حلم إلى واقع يحتاج إلى مراحل.
في المرحلة الأولى، يكون«المقعد السادس» استشاريًا فقط. يراجع مشروعات القرارات قبل التصويت عليها، ويصدر تقريرًا علنيًا يجيب: ماذا يقول القانون؟ من سيتضرر؟ وما النتائج الإنسانية المتوقعة؟
وفي المرحلة الثانية، تصبح مهمته أكثر حساسية. فعند استخدام الفيتو يصدر تقييم مستقل يشرح للعالم ماذا عُطّل، ولماذا، وما النتائج المحتملة لذلك التعطيل.
والأرضية موجودة بالفعل؛ فمنذ قرار الجمعية العامة 76/262 عام 2022، تُعقد مناقشة في الجمعية العامة خلال عشرة أيام عمل من استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ويمكن مستقبلًا أن يصبح تقرير «المقعد السادس» جزءًا من تلك المناقشة.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: إذا أظهر التقييم وجود آثار إنسانية جسيمة أو إشكالات قانونية كبيرة، يُحال الموضوع تلقائيًا إلى مناقشة موسعة في الجمعية العامة. عندها لا يصبح الفيتو نهاية الطريق؛ بل بداية للمساءلة.
وبعد سنوات من التجربة والتدقيق والتطوير، يمكن الانتقال إلى المرحلة الأصعب: دراسة إدخال هذه المرجعية ضمن البنية الرسمية لصنع القرار الأممي.
وهنا تظهر العقبة الكبرى؛ فتعديل ميثاق الأمم المتحدة يتطلب وفق المادة 108 موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، وتصديق ثلثي الدول الأعضاء، بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
ولذلك لا أقترح أن يبدأ «المقعد السادس» بإلغاء الفيتو، بل بكشفه.
ويبقى السؤال: من يضمن حياد الذكاء الاصطناعي نفسه؟
لهذا يجب ألا تملكه دولة ولا شركة؛ بل تشرف عليه هيئة دولية مستقلة تضم قانونيين وعلماء تقنية وأخلاق وحقوق إنسان، مع خوارزميات وبيانات قابلة للتدقيق والمراجعة.
وأطرح «المقعد السادس» اليوم فكرةً مفتوحة للمفكرين والقانونيين والدبلوماسيين وقادة الرأي والشباب؛ ليضيفوا إليها، وينتقدوها، ويطوروها.
فقد لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنع الفيتو غدًا، لكنه ربما يستطيع أن يجعل العالم كله يعرف في اللحظة نفسها ماذا أخفى الفيتو، ومن دفع الثمن.










































