اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
عاصم عبد الفتاح
على خطاه، خرج من الضيق إلى السَّعة، ومن حصار الأذى إلى أفق الرسالة، منذ أن صدع بالأمر، وتحمّل ما جرَّه من مشقةٍ واستعداء، مضى يخطو واثقًا بأن وراء العسر يُسرًا، وأن مع انحسار الخيارات فجرًا يتخلّق، ثم انبثق نوره في الآفاق، وسرت رحمته في القلوب، واستحال هديه سلوكًا يُرى في المعاملة، وعيشًا يُلمس في تفاصيل الحياة.
انطلق تاركًا أرضه وقومه ومسقط رأسه، هو وصاحبه، في رحلةٍ تحفّها المخاطر من كل حدبٍ وصوب، قلَّ الزاد إلا من التوكّل، وشحَّ الناصر إلا عناية الله، وغاب البسط والسرور إلا عن استحضار معيةٍ تُثبّت الفؤاد: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا). وكأن هجرته تجلت في كونها تجسيد لليقينٍ بأن غداً أفضل واختيار الله أحسن وأكمل، لم تكن انتقالاً فيزيائياً من مكان إلى مكان، لكن كانت رحلة معنوية ملأى بالدروس ولم تقتصر على مسير الأقدام.
وفي تلك اللحظات تجلّى صدق الصِّدّيق -رضي الله عنه- في أبهى صوره؛ لم يتردّد في ترك مالٍ وأهلٍ ودار، تجردًا لصحبة محمد، ورغبةً في أن يكون معه حيث تكون الوجهة. وظهرت الصحبة التي توشحت بوشاح الإيمان الخالص كموقف مفصلي في أحلك ساعات التاريخ؛ نقف على أصدائه بعد مرور أكثر من 1400 عام كمنارة للوفاء، حيث سبقت خطوات الصديق العالمين في صدقها وأسبقيتها ونيلها للمكانة التي تستحقها، وفي خطواتهما المباركة مغزىً دائم ورسالة حية مفادها: أن أرض الله واسعة، والنجاح في أي مهمةٍ يحتاج سعيًا حثيثًا وصبرًا على الثمرة، ولو اقتضى الأمر تغيير المكان، والبحث عن بدائل جديدة. كما عبر الشنفرى بقوله:
وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى
وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ
لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ
سَرى راغِباً أَو راهِباً وَهوَ يَعقِلُ
لقد سررتُ، كما سرَّ الكثير، بإعادة تجسيد هذه الرحلة المفعمة بالروحانية والدلالات العميقة في صورة مشروعٍ سياحيٍّ يتيح لمرتادي طريق الهجرة أن يعيشوا التجربة بأنفسهم على مدى '470' كيلومتراً، أن يمشوا بأقدامهم على المسار ذاته الذي سلكه المصطفى 'صلى الله عليه وسلم'، وأن يقفوا عند المعالم التي شهدت خطاه -وقد بلغت واحداً وأربعين معلماً حسب دارة الملك عبدالعزيز، ويستظلّوا بذكريات الأماكن التي احتضنت لحظات السكون والاستراحة في واحدةٍ من أعظم محطات التحوّل في التاريخ.
يظهر بأن معنى مشروع 'على خطاه': أن نسير الدرب لنتعلّم منه ونستنطقه. فهو يرسّخ في وعينا أن أرضنا، التي احتضنت إشراقة الرسالة وقدسية المقام، تمتلك زخمًا تاريخيًا وثقافيا متراكبًا من المناقب والمآثر، تعاقبت عليه خطى الأنبياء، وازدهرت في فضائه الحضارات، ومرّت به أممٌ وأقوام تركوا بصماتهم. 'على خطاه' معنىً يُعاش واستحضارٌ حيٌّ لفكرة أن اليقين يجب أن يتجدد في مواجهة التحديات، هو دعوةٌ للتأمل في كيف تُصنع التحوّلات الكبرى: بخطوةٍ صادقة، وبصبرٍ ثابت، وأن الأرض تتسع لمن يحمل في نفسه رسالة.










































