اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
محمد البكر
دورة الخليج لكرة القدم فقدت كثيرا من حضورها الذي كانت تفرضه على المشهد الرياضي؛ وليس في ذلك انتقاص من تاريخها أو مكانتها في ذاكرة الجماهير الخليجية، إذ كانت في وقت سابق من أهم المناسبات الرياضية بالمنطقة، وارتبطت بها أجيال كاملة، وصنعت منافسة حقيقية بين المنتخبات، وأسهمت في ظهور لاعبين بقيت أسماؤهم حاضرة في الذاكرة. لكن كرة القدم لا تتوقف عند الذكريات، وما كان مهماً وضرورياً في مرحلة معينة قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما تتغير الظروف، وهذا ما حدث مع دورة الخليج خلال السنوات الأخيرة. ففي بداياتها، كانت البطولة تلبي حاجة حقيقية؛ لكون المنتخبات الخليجية لا تملك هذا العدد من المشاركات الآسيوية والدولية، ولم تكن روزنامة كرة القدم مزدحمة. ولذلك، كانت دورة الخليج مساحة مهمة للتنافس والاحتكاك واكتشاف اللاعبين، وحظيت مبارياتها بحضور جماهيري وإعلامي كبير، وتحولت إلى مناسبة تتجاوز حدود الملعب. لكن المشهد اليوم مختلف تماماً؛ فالمنتخبات أصبحت أمام استحقاقات آسيوية ودولية متواصلة، وتصفيات لكأس العالم، وبطولات قارية، وأيام فيفا، وبرامج إعداد، وبطولة نخبة آسيا، إضافة إلى تطور الدوريات المحلية واكتسابها قوة وتنافسية أكبر. وفي الواقع الجديد، لم تعد دورة الخليج تملك الحضور نفسه الذي كانت تفرضه سابقاً؛ وخلال العقد الماضي تحديداً، لم تعد البطولة قادرة على إبراز لاعبين جدد بالثقل والتأثير اللذين كانت تصنعهما في مراحل سابقة، كما تراجع حضورها الإعلامي أمام منافسات أصبحت أكثر أهمية وجذباً للجمهور، ولم تعد نتائجها أو أحداثها تحتل المساحة نفسها التي كانت تحتلها في السابق. وحتى من الناحية الاقتصادية، لم تعد البطولة تحمل التأثير ذاته؛ خصوصاً مع اتساع حجم الاستثمار الرياضي في الخليج، وظهور مسابقات وفعاليات أكبر وأكثر تأثيراً على مستوى الجمهور والإعلام والاقتصاد. وهذا لا يعني توقف العلاقات الرياضية الخليجية أو اختفاء المنافسة بين المنتخبات؛ فالمنافسة واللقاءات والمباريات الودية يمكن أن تستمر في أيام فيفا، لكن بطريقة أكثر مرونة وبما يخدم احتياجات كل منتخب، بدلاً من فرض بطولة إضافية نفسها على روزنامة أصبحت مزدحمة إلى درجة يصعب معها التعامل مع كل الاستحقاقات بالأسلوب القديم. إن التوقف عن دورة الخليج أو إعادة صياغتها لا يعني بأي حال من الأحوال التنكر لتاريخها؛ فهناك فرق كبير بين احترام الماضي والعيش فيه، ودورة الخليج أدت دوراً مهماً في مرحلة من مراحل تطور كرة القدم الخليجية، وأسهمت في صناعة ذكريات وأسماء ومنافسات لا يمكن تجاهلها. إن إعادة النظر في دورة الخليج لم تعد فكرة غريبة أو انتقاصاً من البطولة، بل أصبحت جزءاً من نقاش منطقي حول مستقبل كرة القدم الخليجية؛ وإذا لم يكن التوقف الكامل هو الخيار المطروح، فإن إعادة تنظيم البطولة وإقامتها بفواصل زمنية أكبر، أو تحويلها إلى مناسبة ذات طابع مختلف، قد تكون حلولاً أكثر انسجاماً مع واقع كرة القدم اليوم.










































