اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
يبدو أننا الآن بصدد لحظات تحول دراماتيكي مذهل في عمر الذكاء الاصطناعي، والسر يكمن فيما نشاهده من تطور مذهل في حجم النماذج اللغوية الكبيرة، والتي أصبحت تكتب الشيفرات البرمجية وتُحسّن نفسها بنفسها، وهو أمر يطلق عليه «التحسين الذاتي المتكرر»، وهي فكرة ليست بجديدة، فمنذ ستينيات القرن الماضي، حذّر عالم الرياضيات البريطاني الشهير آي جيه جود من أن الآلة فائقة الذكاء ستصمم آلات أذكى، مما يؤدي إلى انفجار الذكاء وتفوق الآلات نهائياً على البشر.
إذا نحن نقترب رويداً رويداً من «مرحلة استقلال الآلة»، وهو أمر جلل لو تعلمون، لأنه يهدد بفناء البشر أنفسهم، وفي هذا السياق، أشارت مؤخراً شركة «أنثروبيك» الأمريكية، المعروفة بتحذيراتها المستمرة من مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى أننا» لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، والتحسين الذاتي المتكرر ليس أمراً حتمياً، لكنه قد يحدث أسرع مما تستعد له معظم المؤسسات»، وكشفت الشركة أن 80 % من الشيفرات البرمجية التي أُضيفت إلى أنظمتها في شهر مايو 2026 أُنتجت بواسطة نظامها الذكي «كلود كود»، تحت إشراف بشري مباشر، والمفارقة أن هذه النسبة كانت قبل حوالي عام ونصف أقل من 5 %، مما يعني أننا دخلنا بالفعل إلى مرحلة يقوم فيها الذكاء الاصطناعي بتحسين قدراته بنفسه.
لا يكمن الخطر فقط في سرعة تطور النماذج، بل في إمكانية فقدان السيطرة على هذه النماذج، والتي أظهرت بالفعل قدرات مدهشة على «الخداع»، حيث تتعمد تقليل أدائها إذا علمت أن التفوق سيؤدي إلى تقييدها، وإذا استمر هذا المسار، فقد نصل إلى مرحلة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، وهو ذكاء يتجاوز القدرات البشرية بمراحل، وعند هذه النقطة الفاصلة يصبح من الصعب السيطرة على الذكاء الاصطناعي.
ليست دعوات الخبراء للتوقف عن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بجديدة، ففي عام 2023، وقّع خبراء ورواد أعمال كبار رسالة تحذيرية تدعو إلى وقف مؤقت لتطوير النماذج العملاقة، ومع ذلك لم يتوقف السباق العالمي، ولم يجد آذاناً صاغية، لأن كل دولة وكل شركة تخشى أن تتأخر عن ركب الذكاء الاصطناعي، فتترك المجال لمنافسيها، والمشكلة تكمن في أننا نواجه مشكلة في التنسيق، فالتوقف المؤقت لا ينجح إلا إذا توقف الجميع، وهذا بالضبط ما يجعل التنسيق الدولي صعباً، وضرورياً في آن واحد.
وبالنسبة لنا في العالم العربي، فإن هذا الانفجار في نماذج الذكاء الاصطناعي يحمل رسالة مزدوجة، فمن جهة، يفتح لنا آفاقاً هائلة للابتكار والإنتاجية، ومن جهة أخرى، يفرض علينا أن نكون شركاء فاعلين في صياغة قواعد اللعبة العالمية، لا مجرد مستهلكين للتقنية، لأن التحكم في مسار الذكاء الاصطناعي لم يعد شأناً تقنياً فقط، بل أصبح بالنسبة لنا قضية استراتيجية واقتصادية وسيادية.
وهنا تكمن أهمية الاستثمار المبكر في بناء الكوادر الوطنية، وتطوير أطر تنظيمية مرنة، وتعزيز الشراكات البحثية التي تضمن لنا حضوراً فاعلاً، وباعتقادي فإن الذكاء الاصطناعي لم يصبح مجرد تقنية عابرة، بل أصبح ثورة تكنولوجية تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية، ومن يمتلك القدرة على فهمه وتوجيهه، سيكون في موقع الريادة، ومن يكتفي بالمراقبة فسوف يجد نفسه متأخراً عن قطار المستقبل.. والواقع أن التحسين الذاتي المتكرر، بعد كل هذه الشواهد الخطيرة، لن يصبح خيالاً علمياً بعد اليوم. إنه ببساطة واقع يتشكل أمام أعيننا، والسؤال الحقيقي ليس «هل سيحدث؟»، بل «هل سنكون مستعدين عندما يحدث؟».










































