اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ نيسان ٢٠٢٦
خالد الحلوة
في عام «1961م» أصدر المؤرخ الأمريكي دانيال بورستين كتابه الشهير بعنوان «الصورة» قال فيه إن العالم الحديث دخل ما يمكن تسميته «عصر الصورة»، فلم يعد الناس يعيشون الواقع كما هو، بل أصبحوا يعيشون صوراً عن هذا الواقع تصنعها وسائل الإعلام.
وأوضح بورستين أن الناس أصبحوا يعتمدون على الصور التي تصنعها وسائل الإعلام لفهم الواقع، بدلاً من أن يعيشوه مباشرة. وأصبح الكثير مما يعرض أمام الجمهور هو محتوى مصنوع مسبقاً بشكل مقصود ليؤدي إلى تأثير معين، وأطلق على هذه الظاهرة تسمية «الأحداث الزائفة». من ذلك مثلاً المؤتمرات الصحفية، والصور الدعائية للسياسيين، والإعلانات التي تقدم حياة مثالية غير موجودة فعلياً، وكذلك الأفلام السينمائية التي تعيد تشكيل الواقع. وقال بورستين أن هذه الصور ليست كاذبة بالضرورة، لكنها تبسّط الواقع وتجمّله إلى درجة تجعل الناس يفضلون «الصورة» على الحقيقة، مما يؤدي إلى نوع من «الوهم الجماعي» الذي يصبح مقبولاً ومؤثراً في تشكيل فهم المجتمع للعالم.
كما تناول بورستين مفهوم «الشهرة» بوصفه أحد أبرز مظاهر «عصر الصورة»، وقال أن هناك فرق بين الشخصيات المعروفة بإنجازاتها الحقيقية وبين «المشهور» الذي قال عنه أنه: «شخص معروف لأنه معروف» بمعنى أن الشهرة لم تعد مرتبطة بالإنجاز أو القيمة، بل بالظهور المتكرر في وسائل الإعلام. وقد ضرب أمثلة بالشخصيات التي تصعد إلى الواجهة عبر التغطية الإعلامية أو الحملات الدعائية، لا عبر إنتاج علمي أو فكري أو مهني واضح.
كان بورستين يتحدث في زمن تهيمن عليه الصحف والتلفزيون، أو ما نسميه الآن بالإعلام التقليدي، حيث كانت الصور تُصنع من قبل مؤسسات محدودة وتُبث في اتجاه واحد إلى الجمهور. أما اليوم فقد تغيّر الوضع جذرياً، إذ أصبح كل فرد قادراً على إنتاج الصور ونشرها عبر المنصات الرقمية، ولم تعد «الأحداث الزائفة» مقتصرة على السياسيين أو الشركات، أو المؤسسات الإعلامية، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية عبر المحتوى الشخصي. الفرق الأساسي أن ما كان محدوداً ومنظماً في زمن الإعلام التقليدي أصبح الآن سريعاً ومستمراً ومفتوحاً للجميع.
اليوم، ومع تطور التكنولوجيا، توسع «عصر الصورة» بشكل كبير، فأصبحت الصورة تُنتج عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الإجتماعي. ولم يعد الإعلاميون وحدهم يصنعون الصور، بل كل فرد يمكنه أن يصنع صورته الخاصة وينشرها للعالم. على سبيل المثال، يقوم كثير من المستخدمين بتصوير حياتهم اليومية بطريقة مثالية، مثل صور السفر أو الطعام أو الإنجازات، أو المواقف العائلية، بينما قد تكون حياتهم الواقعية مختلفة عن ذلك.
من جانب آخر، رأى بعض النقاد أن بورستين بالغ في تصوير الجمهور كطرف سلبي يتلقى الصور دون تفكير، وأشاروا إلى أن الناس يتفاعلون بوعي نسبي مع الرسائل الإعلامية، فمثلاً قد يشاهد شخص إعلاناً لمنتج فيقتنع به، بينما يشاهده آخر وينتقده أو يتجاهله، وكذلك الحال في الأخبار حيث يفسر الجمهور الرسائل بطرق مختلفة حسب خبراته ومواقفه.
ومع ذلك، يمكن القول اليوم إننا نعيش نسخة أكثر تطرفاً مما وصفه بورستين. فلم تعد الصورة تعكس الواقع، بل أصبحت في كثير من الأحيان بديلاً عنه. الناس يتابعون الأحداث عبر الشاشات أكثر مما يعيشونها بأنفسهم، ويكوّنون آراءهم بناءً على ما يرونه من صور ومقاطع قصيرة. لذلك، يظل مفهوم «عصر الصورة» مهماً في دراسات الإعلام والثقافة المعاصرة، لأنه يشرح لماذا أصبح الانتباه هو القيمة الأهم، ولماذا يمكن لصورة واحدة أو مقطع قصير أن يؤثر في الناس أكثر من الحقائق الطويلة والمعقدة.










































