اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
نجاح الحج بهذه الطريقة السارة يعيد إلى الأذهان حقيقةً لا غبار عليها، وهي أن سيادة القانون هي حجر الأساس في كل مهمة، فكل مسؤولية من هذا النوع لا يمكن القيام بها إلا بواسطة وضع نظام واضح الملامح، يضبط الناس، يكون ميزاناً تظهر به المصالح لتُجلب وتكمّل، والمفاسد لتُتجنّب وتقلّل، ويحسم به باب الفوضى بشكل لا مجاملة فيه..
المشاعر المقدسة قبلة المسلم التي يتعلق بها دائماً، ويقوم ليولي وجهه شطرها مراراً في اليوم، وحضورها في الذاكرة يبلغ ذروته في موسم الحج حيث يتوافد عليها الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومن شتى الأجناس والأعراق؛ لأداء مناسك الحج، فتكون أبصار بقية المسلمين مشدودة إلى هذه الجموع معجبة ومسرورة بهذه المشاهد الميمونة، وقلوبهم مليئة بالأماني الصادقة أن يتقبّل الله من الحجاج حجّهم، وأن يكملوا مناسكهم بأمان وسلامة، وأن ينقلبوا إلى أهليهم فرحين مسرورين، وها نحن نسعد اليوم بنجاح موسم الحج لهذا العام 1447 هجري، وهذه نعمة عظيمة نحمد الله تعالى ونشكره عليها، وهنيئاً لحجاج بيت الله الحرام على ما منحهم الله تعالى من أداء هذه الشعيرة في ظلّ الأمن والأمان والرعاية اللائقة، وهنيئاً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- على ما تحقق من تطور المناسك في ظل قيادتهما المباركة، وهنيئاً لكل من له مشاركة في هذا الإنجاز من منسوبي وزارة الحج والعمرة، والجهات الأمنية، وجميع أجهزة الدولة من مدنيين وعسكريين؛ ولا شك أن الجميع قد قرّت عينه بما رآه من بذل الجهود الضخمة، وتكلّل ذلك بالنجاح، وهذه بشرى عاجلة، وما عند الله من الثواب المرجو أعظم وأروع.. ولي مع نجاح موسم الحج وقفات:
الأولى: من الحكم المشهورة قولهم: (إذا أراد الله أمراً هيّأ له أسبابه)، وقد هيّأ الله تعالى السبب الأمثل لنجاح تنظيم الحج، وعمارة الحرمين الشريفين؛ وذلك بتفضّله على العباد والبلاد بتوحّد هذه البلاد تحت راية جلالة المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالعزيز آل سعود -طيّب الله ثراه- وجزاه عنا وعن هذا الوطن خير ما جزى سلطاناً عن شعبه وأرضه، فقد كانت وحدة البلاد في عهده نقطة فاصلة في تاريخ الحرمين الشريفين، حيث ساد فيهما الأمن والاستقرار، وتحقق فيهما من الأمان والطمأنينة ما يناسب قدسيتهما ومكانتهما، وما تقرر لهما شرعاً، ومن جلائل نعم الله تعالى أن هذا تزامن مع بداية تهيؤ الفرص لتوافد جموع كثيرة إلى الحرمين الشريفين، حجاجاً ومعتمرين وزواراً، مع بداية استفادة الشعوب المسلمة في جميع أقطار الأرض من وسائل النقل الحديثة للتوجّه إلى هذا البقاع الطاهرة، وفي طليعة ذلك إمكان تنقّل بعضهم بين البلدان القريبة منه بالسيارات ليقترب من المملكة، ثم يركب البحر، ولا شك أن هذا ضاعف الأعداد التي تسافر سابقاً عن طريق الإبل والخيل، ثم مازالت الوسائل تتطوّر وتتيسّر ويكون ذلك سبباً في زيادة أعداد القادمين إلى الحرمين الشريفين، وما تتطلّبه مسؤولية تأمينهم وتنظيم سكنهم وتنقلاتهم وأدائهم للنسك، وقد واكبت المملكة هذه الاحتياجات بمنظومة متكاملة من الخدمات النوعية، وعلى رأسها توسعات الحرمين الشريفين، والحرص على تميّز البنية التحتية حولهما، وتنظيم كل ما يتعلق بها وبالحج، ولا يكاد المنصف ينصرف من العمرة أو الحج وزيارة المسجد النبوي إلا وهو راض بما رأى، ولسانه منطلق بالشكر لهذه الجهود والإشادة بالقائمين عليها.
الثانية: نجاح الحج بهذه الطريقة السارة يعيد إلى الأذهان حقيقةً لا غبار عليها، وهي أن سيادة القانون هي حجر الأساس في كل مهمة، فكل مسؤولية من هذا النوع لا يمكن القيام بها إلا بواسطة وضع نظام واضح الملامح، يضبط الناس، يكون ميزاناً تظهر به المصالح لتُجلب وتكمّل، والمفاسد لتُتجنّب وتقلّل، ويحسم به باب الفوضى بشكل لا مجاملة فيه، وهذا إجراء ضروري لا بد من اتخاذه لنصل إلى المقصد الشرعي المتمثّل في استتباب الأمن وعموم السلامة ووصول كل ذي حق إلى حقه، فما كان الحجاج لينالوا ما نالوه من الأمان والسلامة وتوفر الخدمات، وتهيؤ الأجواء الملائمة للخشوع والطمأنينة إلا بفضل الله تعالى ونعمته، ثم بما يسّره للجهات المختصة -وفي مقدمتها رجال أمننا البواسل- من منع الفوضى، ومكافحة مخالفي أنظمة وزارة الحج والعمرة، والحيلولة بينهم وبين تعكير صفو الموسم، وتعريض سلامة الحجاج وأمنهم للخطر.
الثالثة: مما يثلج قلب المتابع لمواسم الحج على مدار السنوات أن الخدمات المقدمة لحجاج بيت الله الحرام لا تقف عند نقطة معينة من التميز، فالذي يتحقق في كل عام يُجعل منطلقاً للتطور والابتكار في الأعوام التالية، لا سيما أن الموسم صار مجالاً للاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة، وفي هذا مصالح متعددة؛ فهو يضمن الدقة والسرعة في حصول الحاج على الخدمة التي يحتاج إليها، كما أنه يسهم في إيصال رسالة حضارة الإسلام إلى أقطار الأرض كلها، في المظهر اللائق بها وبروحانيتها، وما تحمله من الأمن والطمأنينة والسلام، ويساعد على إطلاع الآخرين على محاسن هذا الدين الحنيف، وأنه دين يدعو إلى التطور والتنظيم، والاستفادة من جميع الأفكار الإيجابية.










































