اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ تموز ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
منذ أيام عملي الدبلوماسي أحرص كثيراً على تقدير الشركاء ومن تعاملت معهم مهنيًا، وعمل حفل أو مناسبة أو عشاء تقديراً للمسؤولين الذي يغادرون مواقعهم في حضور زملائهم أو من يخلفهم في ذلك الموقع. ولا أنسى في أحد الأيام تأثر أحد الأصدقاء اليابانيين الذي قال والدموع تملأ عينيه:»شكراً لاحتفائكم وتقديري لشخصي وليس لمنصبي!!».
في مسيرتي المهنية وقبل سنوات طويلة عاصرت الكثير من المديرين والمسؤولين، منهم من أدعو لهم إلى يومي هذا ولا أنسى معروفهم ومواقفهم الداعمة، ومنهم من أتمنى حذف كل ذكرى تتعلق بهم كما تحذف الملفات من ذاكرة أنظمة التشغيل.
هذه النوعية الأخيرة أتذكر فيها أشخاصاً نسوا أن الدنيا تدور وكانوا يمارسون البطش والظلم وسوء استغلال السلطة في أبشع صورها ضد مرؤوسيهم، في الوقت الذي يكثرون فيه الحديث عن الورع والقيادة في كل محفل وكل مناسبة.
ولكن ما لاحظته على هذه النوعية أنها أكبر من يدفع الثمن غالياً من الصراع النفسي الشديد الذي تعيشه بسبب الضعف الداخلي واهتزاز الشخصية الذي يحاولون تغطيته بالممارسات العدوانية والاستعلائية، وتراهم يدفعون الثمن في علاقاتهم الأسرية وصحتهم.
أما أصعب تجربة يعيشونها فهي عندما يعرفون قدرهم الحقيقي ومكانتهم الواقعية في عيون من حولهم بعيداً عن مناصبهم وألقابهم وسلطاتهم.
الأشخاص الذين كانوا يبتسمون لهم ينزعون الأقنعة ويكشرون عن أنيابهم، التابعون المطبعون يتجاهلون اتصالاتهم ورسائلهم، جيوش المطبلين في مواقع التواصل تبتعد عنهم.
بالمقابل، فهنالك المسؤولون الذين تبقى ذكراهم الطيبة وبصماتهم وأثرهم الايجابي باقياً لا ينتهي ولا يختفي بمجرد رحيلهم عن المنصب، تراهم حاضرين في دعوات من ساعدوهم ووقفوا معهم، وترى أثرهم في مشروع ناجح واستثمار مميز في كفاءات تعمل بإخلاص.
سيماهم في وجوههم وفي حب الناس لهم وتقديرهم لهم لشخصهم وذاتهم حباً وإكراماً وإجلالاً بعيداً عن كل منصب ولقب.
وكما أن التاريخ يعيد نفسه فالحكايات تتكرر والدنيا تواصل دورانها، وكلما يشتكي لي شاب من مدير غادر ومسؤول ماكر وعصابة ظالمة، أذكرهم بحسن الظن بالله والصبر، وأن هذه دروس قيمة في الحياة المهنية تصقل الإنسان وتهيئه لمراتب أعلى. والأهم أن كل ألم وتجربة صعبة هي فرصة لينتقم الإنسان فيها من تلك اللحظات الأليمة بأن يعاهد نفسه ألا يسمح بأن يصدر منه السلوك نفسه أو الظلم تجاه مرؤوسيه وزملائه في المستقبل.
وبالعكس، في حال كان الإنسان في نعمة ورضا من الله مع مدير يخاف الله، فقد لا يجد الفرصة المناسبة لشكره إلا بالدعاء وبتطبيق مبادئه السامية مع مرؤوسيك وزملائك في المستقبل.
وختاماً، الوصول للمنصب ليس صعباً، ونيل الاحترام والتقدير بسبب اللقب والمكانة سهل نسبياً، لكن التحدي الحقيقي هو أن تكون قائداً حقيقياً يحترمه الناس لذاته، ويقدرونه لطيب تعامله وسمو أخلاقه ودعمه وتمكينه والخير العميم الذي نشره. ولتصل لتلك المرحلة، عش بطبيعتك واحترم الآخرين وأكرمهم لذاتهم لا لمناصبهم وألقابهم، وابتغ الأجر من الله، ولا تنتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً.










































