اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢ شباط ٢٠٢٦
لفترة طويلة.. تباهت شركات الطيران بشعار'الناس أولًا'.. وكان المقصود بالناس في الغالب هو الراكب . كل شيء صُمم لخدمته؛ الإعلانات والمنتجات وبرامج الولاء.. وحتى لغة الخطاب المؤسسي. لكن مع مرور الوقت، بدأت الحقيقة تظهر بوضوح أكبر؛ لا يمكن لأي شركة طيران أن تضع العميل في الصدارة، بينما تتجاهل من يخدمه. من هنا بدأ التحول الهادئ، ولكن العميق نحو مفهوم جديد؛ الموظفون أولًا. هذا التحول لم يأتِ بدافع العاطفة أو المجاملة؛ بل نتيجة تجارب قاسية عاشها قطاع الطيران. الأزمات المتتالية، من اضطرابات التشغيل إلى نقص الكفاءات وارتفاع معدلات الإرهاق، كشفت أن الضغط المستمر على الموظفين مقابل وعود براقة للعملاء يؤدي في النهاية إلى انهيار التجربة نفسها. فالموظف المنهك لا يستطيع أن يبتسم بصدق، ولا أن يحل المشكلات بحكمة، ولا أن ينقل شعور الطمأنينة الذي يبحث عنه المسافر. صناعة الطيران بطبيعتها معقدة وحساسة، السلامة فيها ليست خيارًا، والدقة ليست ترفًا. والتعامل الإنساني عنصر أساسي لا يمكن أتمتته. ومع ذلك.. لسنوات طويلة جرى التعامل مع الموظفين باعتبارهم تكلفة يجب تقليصها، لا أصلًا يجب الاستثمار فيه. لكن الواقع أثبت أن هذا التفكير قصير النظر؛ فخسارة الخبرات المتراكمة وارتفاع معدلات الاستقالات لا يضر بالميزانيات فقط، بل يهدد استقرار العمليات وسمعة العلامة التجارية. اليوم.. بدأت شركات الطيران الأكثر وعيًا تعيد ترتيب الأولويات. لم تعد الاستثمارات تقتصر على الطائرات الحديثة أو الصالات الفاخرة؛ بل امتدت إلى التدريب المستمر، وتحسين بيئة العمل، ودعم الصحة النفسية وبناء مسارات مهنية واضحة. هذه الشركات أدركت أن الموظف الواثق والمُمكَّن هو أفضل سفير للعلامة التجارية، وأقوى ضمانة لتجربة عميل متماسكة. المسافر نفسه تغيّر. أصبح أكثر حساسية لروح المكان وأكثر قدرة على تمييز الخدمة الصادقة من المؤداة على مضض. فهو قد يتسامح مع تأخير رحلة، لكنه لا ينسى طريقة التعامل معه. وهذه الطريقة تبدأ من شعور الموظف تجاه شركته قبل شعوره تجاه العميل. وضع الموظفين في المقدمة لا يعني تراجع أهمية العميل؛ بل العكس تمامًا. إنه اعتراف بأن التميز لا يُفرض من الأعلى؛ بل يُبنى من الداخل. عندما يشعر العاملون بالتقدير والثقة، تنتقل هذه المشاعر تلقائيًا إلى كل تفاعل مع المسافر. في النهاية.. لم يعد شعار 'الناس أولًا' مجرد عبارة تسويقية؛ بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لصدق الشركات. والفرق بين من ينجح ومن يتعثر لم يعد في عدد الرحلات أو حجم الأسطول؛ بل في كيفية معاملة من يقفون خلف الكواليس، ويجعلون الطيران ممكنًا كل يوم.










































