اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
خالد الحلوة
بمناسبة صدور قرار مجلس الوزراء الموقر بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، نستعرض في هذا المقال بعض المفاهيم الأكاديمية الأساسية المرتبطة بهذا المشروع العلمي الكبير.
أولاً، الأنثروبولوجيا هي: علم يدرس الإنسان دراسة شاملة من حيث نشأته التاريخية وتاريخه الاجتماعي والثقافي. لذلك، فهو يهتم بدراسة كيف تشكلت المجتمعات البشرية وكيف تطورت ثقافاتها عبر الزمن، وهو يشمل موضوعات واسعة مثل: اللغة والعادات الاجتماعية والقرابة والدين والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية. نشأ علم الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر مع توسع الاهتمام الأوروبي بدراسة المجتمعات المختلفة حول العالم، وكان هدفه الأساسي تفسير التنوع الثقافي بين الشعوب وفهم الأسس المشتركة للحياة الإنسانية.
وهناك تقارب بين علم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، لكن بينهما اختلاف منهجي وتاريخي، فعلم الاجتماع يهتم غالباً بدراسة المجتمعات الحديثة والمعاصرة، وخاصة المؤسسات الاجتماعية الكبرى مثل: الدولة والاقتصاد والتعليم والطبقات الاجتماعية، أما الأنثروبولوجيا فقد نشأت تاريخياً لدراسة المجتمعات التقليدية والصغيرة نسبياً، وكانت تعتمد بصورة كبيرة على البحث الميداني المباشر. ومع مرور الوقت، تقارب التخصصان كثيراً، وأصبح كلاهما يدرس المجتمعات المعاصرة، لكن الأنثروبولوجيا ما زالت تتميز بتركيزها على الفهم الثقافي العميق للحياة اليومية من خلال العمل الميداني الطويل.
ومن داخل الأنثروبولوجيا، ظهر فرع مهم يعرف باسم الأنثروبولوجيا الثقافية، يركز هذا الفرع على دراسة الثقافة بوصفها منظومة من المعاني والرموز والعادات التي تشكل حياة الناس داخل المجتمع، فالثقافة في هذا السياق لا تعني الفنون والآداب فقط، بل تشمل أيضاً طرق التفكير والعادات الاجتماعية والطقوس والدين واللغة وأنماط التواصل بين الناس. والباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية يعتمد في الغالب على منهج يسمى الإثنوغرافيا، أي العيش داخل عينة من المجتمع، وملاحظة حياتهم اليومية وتسجيل ممارساتهم ومعانيها الثقافية.
ففي تطبيق الإثنوغرافيا كمنهج، يقوم الباحث بالنزول إلى الميدان والعيش فترة من الزمن بين أفراد المجتمع الذي يدرسه، فيلاحظ سلوكهم اليومي، ويشاركهم بعض أنشطتهم، ويتحدث معهم ويجمع الملاحظات والقصص والتجارب.
فالهدف من الإثنوغرافيا هو تقديم وصف دقيق وعميق لطريقة عيش الناس ومعاني ممارساتهم الثقافية، بحيث يفهم الباحث الثقافة كما يراها أفراد المجتمع أنفسهم، لا مجرد وصفها من الخارج. ولذلك، تعد الإثنوغرافيا من أهم الأدوات لفهم الثقافة والحياة الاجتماعية في الدراسات الأنثروبولوجية والدراسات الثقافية.
من هنا، نصل إلى مفهوم الدراسات الثقافية الذي يجري استخدامه في المراجع العلمية حالياً بمعنيين مختلفين، المعنى الأول واسع ويشير إلى دراسة كل ما يتعلق بالثقافة في المجتمع، فالثقافة هنا تشمل الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام واللغة والعادات اليومية والرموز الاجتماعية، وبهذا المعنى الواسع تصبح الدراسات الثقافية مجالاً بحثياً مشتركاً تشارك فيه تخصصات عديدة مثل: علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والدراسات الإعلامية.
أما المعنى الثاني فهو معنى أكثر تحديداً، ويشير إلى الحقل الفكري المعروف باسم الدراسات الثقافية البريطانية الذي نشأ في ستينات القرن العشرين في مركز الدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة برمنغهام في بريطانيا. ارتبط هذا الاتجاه بأعمال باحثين مثل: ريتشارد هوغارت وريموند وليامز وستيوارت هول. وركزت هذه المدرسة النقدية على تحليل الثقافة الجماهيرية ووسائل الإعلام بوصفها مجالات تنتج المعاني وتعيد تشكيل علاقات السلطة والطبقة والإيديولوجيا داخل المجتمع.
وبذلك، يمكن القول إن العلاقة بين الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية علاقة وثيقة، فالأنثروبولوجيا الثقافية تقدم أدوات منهجية لفهم الثقافة في الحياة اليومية، بينما تقدم الدراسات الثقافية إطاراً نظرياً لتحليل الثقافة الحديثة ووسائل الإعلام والثقافة الجماهيرية، ولهذا أصبح التداخل بين هذين المجالين واضحاً في كثير من الدراسات المعاصرة في الإعلام والثقافة والمجتمع.










































