اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
شئنا أم أبينا، تكاد الرياضة تكون أكثر ما يلامس عواطف الناس ويستفز مشاعرهم، قد نختلف في السياسة والاقتصاد والثقافة، وقد تمر أمامنا عشرات الرسائل الإعلامية دون أن نتوقف عندها، لكن هدفًا في الدقيقة الأخيرة قادر على أن يجعل الملايين يصرخون في اللحظة نفسها، ويرفع الأهازيج في آلاف المنازل، ويحوّل لاعبًا أو منتخبًا خلال دقائق إلى حديث مجتمع كامل، ولهذا فإن الرياضة لم تعد مجرد منافسة تنتهي بصافرة حكم، بل أصبحت واحدة من أقوى منصات الاتصال والتأثير وصناعة الصورة الذهنية في العالم.
ونحن نعيش هذه الأيام في جدة أجواء 'خليجي 27'، وهي مناسبة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مساحة خليجية واسعة للتواصل والهوية والمشاعر المشتركة، وبعدها بأشهر قليلة تستضيف المملكة كأس آسيا 2027 في الرياض وجدة والخبر، ونحن كذلك نمضي في رحلة طويلة نحو الحدث الأكبر، كأس العالم 2034، ومعه استحقاقات رياضية قارية ودولية أخرى ومن أبرزها الألعاب الأولمبية الآسيوية، وهذا كله يجعل السؤال بالنسبة للاتصاليين والمسوقين ليس ماذا سيحدث في الملعب فقط، بل كيف نستثمر ما يحدث حوله؟
الأرقام تشرح لماذا يجب أن نتوقف عند هذه الفرصة، فتقرير Nielsen العالمي للرياضة 2025 يشير إلى أن 51% من سكان العالم يعدون أنفسهم من جماهير كرة القدم، والأكثر أهمية أن 67% من مشجعي كرة القدم يرون العلامات التجارية الراعية بصورة أكثر إيجابية، مقارنة بـ54% من عامة السكان، وهذا يعني أن الرياضة لا تمنحك جمهورًا ضخمًا فقط، بل جمهورًا حاضرًا عاطفيًا وأكثر قابلية للتفاعل مع الرسائل المرتبطة بتجربته الرياضية، وهذه نقطة جوهرية في الاتصال، فالرسالة التي تصل إلى العقل مهمة، لكن الرسالة التي تمر عبر المشاعر غالبًا ما تكون أبقى أثرًا.
والفرصة في المملكة أكبر من مجرد رعاية إعلان على لوحة ملعب، فوزارة الرياضة تشير إلى أن الفعاليات الرياضية الكبرى التي استضافتها المملكة تتجاوز 130 فعالية، وهذه الأرقام تقول إن الرياضة لم تعد موسمًا عابرًا، بل أصبحت جزءًا متزايدًا من أسلوب الحياة، ومن هنا فإن الجهات الحكومية والشركات والمؤسسات تستطيع أن تبني حول الرياضة رسائل تتعلق بالصحة، والسياحة، والثقافة، والاستدامة، والتطوع، والانتماء، وجودة الحياة، والصورة الوطنية، بدل الاكتفاء بشعار يظهر لثوان ثم يختفي.
لكن المشهد تغير أكثر مع الشبكات الاجتماعية، فالحدث الرياضي لم يعد يعيش تسعين دقيقة، بل يبدأ قبل المباراة بأيام ويستمر بعدها، في المقاطع، والتعليقات، والصور، والتحليلات، وردود الأفعال، والمحتوى الذي يصنعه الجمهور نفسه، وقد أصبحت لقطة واحدة قادرة على تجاوز الحدود واللغات خلال ساعات، ولهذا فإن الاستثمار الاتصالي الحقيقي يجب أن يبدأ من صناعة القصة، وتخطيط المحتوى، والتفاعل الفوري، والاستفادة من اللاعبين والمؤثرين والجماهير، وتحويل اللحظة الرياضية إلى تجربة تمتد عبر المنصات.
لذلك فإن البطولات التي تستضيفها المملكة ليست أحداثًا ننتظر بدايتها ثم نغلق ملفها بعد التتويج، بل فرص اتصال وطني هائلة يجب أن تبدأ قبل الحدث، وتعيش معه، وتستمر بعده، وكل جهة تستطيع أن تجد لها مساحة إذا فهمت جمهورها ورسالتها، فالرياضة تجمع الناس في لحظة عاطفية نادرة، ومن يعرف كيف يضع رسالته داخل تلك اللحظة دون افتعال أو استغلال، يستطيع أن يصنع أثرًا ربما تعجز عن تحقيقه حملات إعلامية طويلة، فالرياضة في النهاية لا تجذب العيون فقط، بل تفتح القلوب، ومن يفهم الاتصال جيدًا يعرف أن الطريق إلى التأثير يبدأ غالبًا من هناك.










































