اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ أب ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
حين تقرر الدولة الإنفاق على أصل جديد، تُطرح أسئلة معروفة عن كلفته، ومدة تنفيذه، وجدواه، وكفاءته حين يبدأ العمل به. وهي أسئلة لازمة، تكفي حين ينتهي الأصل بانتهاء الغرض منه. وهذا حال أصول كثيرة، تخرج من الخدمة مع انتهاء استخدامها، فلا يبقى بعدها ما يستدعي قراراً ممتداً.
أما المنشآت، فقد تبقى بعد انتهاء الغرض الذي أُنشئت من أجله. وقد تتغير الأولويات أو متطلبات الاستخدام خلال سنوات، بينما تظل المنشأة قائمة لعقود، ويستمر معها الإنفاق على التشغيل والصيانة، وتشغل أرضاً وموقعاً، وقد تتراجع أهمية وظيفتها مع الوقت. هنا ينشأ فارق بين مدة الاستخدام ومدة بقاء المنشأة، وهو فارق لا يدخل غالباً في قرار الإنشاء.
ومن هنا، لا يقف أثر قرار الإنفاق عند الغرض الذي أُنشئ الأصل من أجله. فهو يلبي الغرض الحالي، ويحدد في الوقت نفسه ما يبقى ممكناً مستقبلاً. فالأرض التي يشغلها لا تبقى متاحة لاستخدام آخر ما دام قائماً، والتصميم المختار يجعله صالحاً لعمل دون آخر، والسعة تقوم على تقدير للطلب قد يخالفه الواقع، وتشغيله يمتد إلى موازنات سنوات مقبلة. كل ذلك يُحسم في وقت محدود، لكن أثره يمتد لعقود. لذلك لا تُقاس جودة القرار بما يحققه اليوم فقط، بل بما يتيحه وما يستبعده مستقبلاً.
غير أن إبقاء المنشأة صالحة لاستعمال آخر له ثمن يُدفع اليوم، من مساحة زائدة، أو تصميم أوسع، أو تجهيز يحتمل أكثر من استخدام. ولهذا لا تكون المرونة غاية في ذاتها. فحصر المنشأة في وظيفة واحدة قد يغلق بدائل مستقبلية، كما أن جعلها قابلة لكل شيء يحمل الحاضر كلفة مستقبل قد لا يأتي. وتختلف قيمة هذا القدر من المرونة بحسب مدة بقاء الأصل، ووضوح وظيفته، وكلفة إعادة توظيفه. فما يستحق أن يُدفع في منشأة تبقى نصف قرن قد لا يستحقه أصل أقصر بقاءً أو أوضح وظيفة. وقد يكون استبعاد بعض البدائل هو الأنسب حين يحقق كفاءة أعلى أو كلفة أقل أو قدرة متخصصة لا تتحقق بغيره.
وعند اختيار تصميم الأصل، لا تكفي مقارنة كلفته وكفاءته اليوم، إذ تدخل في القرار أيضاً قيمة ما قد يفقده من استخدامات مستقبلية. فالموقع والتصميم والسعة قد تفتح مجالاً لإعادة توظيف الأصل لاحقاً أو تحد منه. ولا يمكن تجنب هذا الاستبعاد في كل مشروع، لكن المهم أن يكون معروفاً عند الاختيار وأن يكون أثره محسوباً. فمن يختار تصميماً يحد من تحويل المنشأة لاحقاً لما يحققه من كفاءة اليوم، يكون قد أدخل هذا الاعتبار في القرار. أما إذا اقتصر التصميم على الاستعمال الأول، فقد يُفقد استخدام مستقبلي من غير أن تُحتسب كلفة فقده. ولا يظهر الفرق بين الحالين يوم الافتتاح، وإنما بعد سنوات، حين يتبدل الاستخدام فيُعرف ما بقي من مجال للتصرف.
وهنا تواجه هذه المفاضلة صعوبة عملية. فكل مشروع يميل إلى التركيز على غرضه المباشر، لأن كلفة إبقاء مجال لاستخدام آخر تُدفع اليوم من موازنته، بينما قد تظهر المنفعة بعد سنوات، وربما لدى جهة أخرى. وما قد يكون مناسباً على مستوى المشروع قد يزيد العبء المالي عند النظر إلى أصول الدولة مجتمعة. ولهذا يكون تقييم المشروع منفرداً أقل اكتمالاً من النظر إليه ضمن ما تملكه الدولة وما هو تحت الإنشاء.
ويترتب على هذا النوع من القرارات أثر مالي حين تستجد متطلبات لا يستطيع أصل قائم استيعابها، رغم أنه كان يمكن تهيئته لذلك عند تصميمه. عندها تتجمع كلفتان، إحداهما الاستمرار في أصل تراجعت وظيفته، والأخرى إنشاء أصل جديد لغرض كان يمكن للأصل القائم أن يقوم به. ولا يظهر هذا الفارق في الحساب السنوي، لأنه لا يقارن إنفاقاً بإنفاق، وإنما يقارن ما وقع بما كان يمكن تجنبه.
وتزداد أهمية مراعاة الاستخدامات المستقبلية للأصول حين يتكوّن جانب كبير منها خلال سنوات قليلة. ففي الأوقات المستقرة تتوزع قرارات الإنشاء على مدى أطول، فتظهر نتائج ما سبق قبل حسم ما يليه. أما حين يتسارع البناء، فإن قرارات فترة محدودة قد تحدد جانباً مهماً من الأصول التي تملكها الدولة لعقود، بينما تقل فرصة مراجعة الافتراضات قبل أن يصعب تعديل الأصل، وكلما تسارعت وتيرة إنشاء الأصول، ازدادت أهمية النظر إلى ما بعد الاستخدام الأول.
ولا يقاس نضج القرار الرأسمالي بقدرته على استشراف المستقبل، وإنما بإدراك حدود ما يمكن توقعه وجعلها جزءاً من الحساب. والغاية ليست إبقاء كل الاحتمالات مفتوحة، وإنما ألا يُستبعد بديل مستقبلي قبل احتساب كلفة استبعاده. فالاستحقاق الذي بُني له الأصل ينقضي، والأصل يبقى.










































