اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ أذار ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
لطالما عرفت الحروب بالتقنية التي هيمنت على ساحاتها. فقد ارتبطت الحرب العالمية الأولى بالمدفعية، والثانية بالقوة الجوية، والحرب الباردة بالردع النووي. أما في حرب إيران اليوم، فنلاحظ التركيز على استئصال القيادات، وهو ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن غيرها. التقنية الأكثر تأثيرا ليست سلاحا هذه المرة، بل خوارزميات لا ترى.
يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم تشكيل منطق الحرب بهدوء. أهم أثر له ليس رفع الكفاءة أو تسريع تحليل البيانات، لكن إحياء استراتيجية طالما نوقشت عسكريا وهي استهداف القياديين وشبكات القيادة والسيطرة، وهي ما يعرف في الأدبيات العسكرية باستراتيجية قطع الرأس.
تاريخيا، كانت هذه الاستراتيجية صعبة التنفيذ. كان يتطلب تحديد الأهداف عالية القيمة ومراقبتها موارد استخباراتية ضخمة وتحليلا يستغرق وقتا طويلا. وكان القادة المستهدفون قادرين على الإفلات من المراقبة بالتنقل بين مواقع مختلفة، أو الاختفاء داخل البيئات الحضرية. في الوقت الذي تستغرقه عملية التحليل ثم تحديد الهدف والموافقة عليه، يتحرك الهدف فتضيع الفرصة. لكن الذكاء الاصطناعي الآن غير هذه المعادلة.
تستطيع الأنظمة الحديثة معالجة كميات هائلة من البيانات من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة واعتراضات الاتصالات وشبكات المراقبة بسرعة، بما يفوق القدرات البشرية السابقة بمراحل. وفي سياق الحرب الأخيرة، تشير التقارير إلى أن أدوات تحليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي سرعت دورة الاستهداف بترتيب أولويات الضربات المحتملة مغلقة فجوة الاستهداف السابقة.
نتيجة للسرعة الفائقة، انضغطت ما يسميه العسكريون سلسلة القتل: اكتشاف الهدف، وتحديده، وتعقبه، واتخاذ القرار، ثم تنفيذ الضربة. كانت السلسلة تأخذ ساعات أو أياما في الحروب السابقة، أما اليوم فتكتمل السلسلة بالذكاء الاصطناعي في دقائق.
ولهذا التسارع آثار استراتيجية عميقة. فعندما تنتهي دورة الاستهداف بهذه السرعة، يفقد الهدف قدرته على الحماية بتكتيك المراوغة. ما كان يعتمده الأفراد من تكتيكات التنقل والسرية لتجنب الرصد أصبح بلا قيمة حقيقية، فالمراقبة مستمرة وقدرة التنفيذ بالخوارزميات لحظية.
هكذا نرى أن الحرب تتحول تدريجيا من استهداف الجيوش إلى استهداف منظومة اتخاذ القرار باعتماد استراتيجية قطع الرأس. إذا حددت الأهداف، يمكن تنفيذها بسرعة لتعطيل شبكات القيادة بإزالة القادة أو المنسقين أو المخططين العملياتيين الرئيسيين في غضون ساعات. وهذا ما حدث في حرب إيران، ففي غضون 48 ساعة كانت القيادات قطعت واحدة تلو الأخرى بدقة عالية.
بالمراقبة المستمرة، ودمج البيانات بسرعة، خفض الذكاء الاصطناعي العوائق العملياتية التي كانت تحد تاريخيا من حملات استهداف القيادات. وهكذا تتحول الحرب من أرض المعركة التقليدية إلى حملة اغتيالات مفتوحة لتعطيل شبكة معقدة وعميقة في الكيان المعادي.
ما نشهده في حرب إيران نافذة لمستقبل نرى منها كيف يتخذ قرار الحرب. إذا نجحت حملة الاغتيالات في تحقيق أهدافها، ستكون حروب المستقبل عمليات مرتكزة لإحداث شلل قيادي في وقت واحد، تكون الميزة الحاسمة في يد من يبدأ أولا.










































