اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيار ٢٠٢٦
د. عبدالله بن عبدالمحسن الفرج
إشارة الملك تشارلز الثالث في الخطاب التاريخي الذي ألقاه أمام الكونجرس الأمريكي في 28 أبريل الماضي إلى الوثيقة العظمى (Magna Carta) التي صدرت عام 1215، تعتبر واحدة من فنون الدبلوماسية البريطانية التي صقلتها التجارب عبر مئات السنين. فالملك قدم الوثيقة باعتبارها رمز للقيم المشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، في حين أن هذه الوثيقة، هي في الواقع وثيقة إنجليزية بحتة، تم التخلي عن كثير من بنودها عبر القرون، وخاصة في عهد الملك هنري الثامن، الذي عاد للقبضة الحديدية، وقطع حتى رأس اثنتين من زوجاته: آن بولين وكاثرين هوارد. وآن بولين (Anne Boleyn) هي والدة أشهر ملكة في إنجلترا، ألا وهي الملكة إليزابيث الأولى (Elizabeth I)، التي أشتهر عصرها ليس فقط بشكسبير، وإنما في وضع اللبنات الأولى للعلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة. فهناك ولاية فرجينيا الأمريكية التي سميت تيمناً بـ الملكة إليزابيث الأولى، وذلك في أواخر القرن السادس عشر- فالملكة إليزابيث كانت عذراء ولم تتزوج.
طبعاً، زيارة الملك تشارلز للولايات المتحدة، تضمنت ليس فقط لقائه بالرئيس والكونجرس- الذين حاول تلقينهم أصول الديمقراطية. فقد كان ضمن برنامجه زيارة مدينة نيويورك، حيث التقى هناك برئيس بلدية المدينة، زهران ممداني. وهذا اللقاء تناقلته وسائل الأعلام على نطاق واسع، عندما دعا رئيس البلدية الملك تشارلز علنًا لإعادة ماسة 'كوه نور' (جبل النور) الشهيرة إلى الهند، معتبرًا إياها رمزًا للاستعمار البريطاني وسرقة للتراث الهندي. وهكذا أصبحنا في حيرة بين وثيقة الماغنا كارتا وبين الماسة 'المسروقة'. فبريطانيا، على ما يبدو، هي وسط بين هذين الاثنين، أو كلاهما معاً.
وأنا لا أخفي إعجابي بإنجلترا، قلب المملكة المتحدة النابض، والتي تمكنت من التحول من دولة فقيرة معدومة الموارد إلى أرض لا تغيب عنها الشمس. فهذا البلد استطاع أن يحقق ما حققه، فيما مضى، ليس فقط بفضل وثيقة ماغنا كارتا، التي تعكس قدرة الإنجليز على المساومة والصبر للمحافظة على بلدهم، وإنما أيضاً بفضل لا أقول السرقة، وإنما الابتكارات والاختراعات وحب المغامرة. وهذه تجلت في شخصية كولومبوس الإنجليزي فرانسيس دريك Francis Drake ، الذي عبر خلال رحلته الشهيرة حول العالم، في الفترة الواقعة بين (1577-1580)، مضيق ماجلان جنوب أمريكا اللاتينية.
ولذلك، فإن نموذج المملكة المتحدة، الذي هو نموذج للتطور التدريجي بعيداً عن الثورات، باستثناء فترات عابرة مثل فترة أوليفر كرومويل Oliver Cromwell، هو نموذج يستحق الاقتداء به. فهذا البلد حقق معجزات اقتصادية وتقدم على غيره من البلدان، وذلك قبل أن تتقدم عليه الولايات المتحدة في القرن العشرين. فالمملكة المتحدة قبل ذلك كانت زعيمة العالم، وعملتها الجنيه الإسترليني كانت أهم عملة في التجارة الدولية- مثلها مثل الدولار في الوقت الراهن.










































