اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
عرفت قضية (موت المؤلف) منذ زمن غابر عند (أفلاطون)، عندما أشار إلى أن الكتابة كالرسم؛ وذلك لأن الصور المرسومة تبدو كما لو كانت كائنات حيّة، ولكنها تظل صامتة لو أننا وجهنا لها سؤالاً. وكذلك الحال في الكلام المكتوب، إنك لتظنه يكاد ينطق، كأنما يسري فيه الفكر، ولكنك إذا ما استجوبته بقصد استيضاح أمر ما، فإنه يكتفي بترديد الشيء نفسه، أي أنه حيوية السؤال والجواب تكاد أن تتلاشى في المكتوب، ولكننا نجدها في شكل مباشر في الكلام الشفهي.
إن إلماحات (أفلاطون) إلى مسألة تغييب المؤلف كانت ترتكز على أن الكاتب لا يمكنه معرفة أين ذهب نصه بعد كتابته؟ ولا عند من توقف؟ فالكاتب لا يستطيع الدفاع عن نفسه عند من يقرأ نصه، فهو لا يعرفه، وقد لا يتفاعل معه وجهًا لوجه؛ ولهذا لا يستطيع الكاتب التعامل مع ما يُثار في الذهن من إقبال، أو التباس. إن الحوار الشفهي عنده حوار حيّ ذو نفس، على عكس النص المكتوب الذي يظل بلا تفاعل، ومن هنا يقول أفلاطون: «إن الشيء بعد أن يُكتب يظل يتنقّل من اليمين إلى اليسار بغير مبالاة، فيُساق إلى من لا يفهمون، وإلى من لا يعنيهم منه شيئًا على السواء».
كان (أفلاطون) يشير إلى أنه «لا يوجد في الواقع أحد يبذر حدائق الكتابة هذه إلا بغرض التسلية، أو لكي يحتفظ بها صاحبها لنفسه على أنها كنز من الذكريات ينتفع به حين يبلغ الشيخوخة ذات النسيان»، وكأنه يريد أن يخبرنا بطريقة أو بأخرى: أن النصّ المكتوب نصٌّ ميّت، وأن الكاتب لم يعد موجوداً، ومن هنا كان أفلاطون ميّالا إلى اللون الحواري في أكثر مؤلفاته، تقليداً لـ (سقراط) في طريقته التي كانت تعتمد على الحركية والحيوية، وهي طريقة ربما هيأت لظهور الحوار الجدلي (الديالكتيكي).
إن هذه الإشارات التي أطلقها (أفلاطون) قديماً، تلقّفها (بارت) في العصر الحديث في إشاراته إلى مسألة (غياب المؤلف)، فدخل عليها من باب السرد، وذلك عندما أخذ يتساءل عن بعض أبطال الروايات: «من الذي يتكلم على هذا النحو؟ أهو بطل القصة؟ أم المؤلف»، فتشكّلت ملامح هذه القضية النقدية عنده، فالنص يصبح نصًّا بمجرد كتابته، وليس لأنه من صنع مؤلف بعينه، واللغة هي من تمنحه الصوت والمعنى، وهي التي تتحدث في غياب المؤلف.
بذلك انطلق (بارت) في تصوراته هذه من فصل أعمال الأدب عن مؤلفيها، والدخول في معترك القصدية، وقد وصل به الأمر إلى تحدّي القارئ في تحديد المتحدث، وفيما يتحدث؟ وهنا يركز على عدم تطابق المعنى مع اللفظ، وعدم انسجام الصوت مع الحدث، الأمر الذي فتح من خلاله الأبواب للنقاد في الدخول إلى عوالم هذه القضية، فجاء الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو 1984م) وأثار هذه القضية في مقالته التي كتبها عام 1969م (ماهو المؤلف؟)، وسعى من ورائها إلى تحرير القارئ من سيطرة المؤلف. وكذا فعل الناقد الأدبي الفرنسي (جاك دريدا 2004م) في مقالته (موت رونالد بارثيس).
غير أن المنظّر الأدبي البريطاني (سين بيرك) انتصف للمؤلف في كتابه (موت وعودة المؤلف)، وذلك في نقده (رولان بارت)، و(ميشيل فوكو)، و(جاك ديريدا)، عندما تتبع جذور فكرة (موت المؤلف)، وبيّن أن هؤلاء مع محاولاتهم لإقصاء المؤلف، وجعل النص هو المركز، انتهى بهم المطاف إلى إعادة الاهتمام بالمؤلف، وإن لم ينصّوا على ذلك. ويبقى السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تعود للمؤلف هيبته؟ أم مات المؤلف؟!










































