اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. عبدالله بن عبدالمحسن الفرج
إن الخطاب المهم الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي روبيو في 7 أكتوبر الماضي عند معبد البارثينون في العاصمة أثينا، والذي ركز فيه على قيم الحضارة الغربية والدفاع عنها، يطرح العديد من التساؤلات، التي يفترض أن لا تمر دون الانتباه لها والتوقف عندها، فهذا الخطاب قد عاد بنا، سواء عن قصد أو دون قصد، إلى نصوص المؤرخ والجنرال العسكري الأثيني ثوسيديدس التي صاغها في كتابه' تاريخ الحرب البيلوبونيسية'، والذي خصصه لتوضيح الصراع بين أسبرطة وأثينا، بعد تعاظم قوة هذه الأخيرة وتزايد مخاوف الأولى من ذلك، مما جعل الحرب بينهما أمرًا لا مفر منه.
إن المواجهة الكبرى التي حدثت بين أثينا وأسبرطة، والمعروفة باسم الحرب البيلوبونيسية خلال الفترة من 431 إلى 404 قبل الميلاد، قد سبقتها مواجهات أقل منها شأناً مهدت لها، وهذا يذكرنا بما يحدث اليوم بين أمريكا والصين، فأسبرطة المسيطرة هي اليوم الولايات المتحدة، وأثينا الناشئة هي الصين، التي تشير العديد من التوقعات إلى أن اقتصادها سوف يتخطى حجمه خلال الفترة القريبة القادمة حجم الاقتصاد الأمريكي، وهذا يثير المخاوف في واشنطن، التي تسعى إلى إعاقة هذا السيناريو، أو على الأقل تأخير حدوثه إلى أطول فترة ممكنة، فروبيو في خطابه عند معبد البارثينون في أثينا، يؤكد أن هناك فراغ خلفه ضعف الولايات المتحدة والغرب، ففي كل عام، بدا أننا نسلّم المزيد من سيادتنا إلى جهات خارجية، وننقل قراراتنا إلى بيروقراطيات عالمية تقع بعيدًا جدًا عن متناول سيطرتنا، وهذا أدى إلى ازدياد ثروات وقوة الخصوم والمنافسين، الذين أصبحوا سعداء للغاية بملء الفراغ الذي تركناه - الفراغ الذي خلّفه ضعفنا، ولذلك نجد اليوم أنفسنا عند مفترق طرق. لأن العقد القادم والقرارات التي نتخذها ستكتب قصة القرن القادم. والمسار الذي نسلكه سيحدد ما إذا كان الغرب سيحافظ على مكانته في صدارة العالم أم سيستسلم لمستقبل من الضمور والعبودية والانحطاط.
وهكذا، نجد أنفسنا اليوم أمام 'مصيدة ثوسيديدس' الجديدة وأمام أسبرطة وأثينا، ولكن بمسميات أخرى. فالولايات المتحدة تسعى لقيادة المواجهة مع الصين ورص صفوف الغرب ورآها، في محاولة للحيلولة دون تقدم الصين عليها اقتصادياً، وذلك بعد أن تخطت هذه الأخيرة جل المنافسين، وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. فلنستمع مرة أخرى إلى ما يقوله روبيو: إما أن نختار التصرف الآن أو نفقد خيار التصرف تمامًا، ولذلك اختارت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب، دون خجل، السعي للقوة الوطنية، لاستعادة السيطرة على سلاسل الإمداد الحيوية الخاصة بنا، وإعادة التصنيع لاقتصادنا، وإعادة بناء دفاعاتنا، والكفاح من أجل الهيمنة على تقنيات وصناعات المستقبل.
وعلى هذا الأساس، فمن المتوقع أن نشهد خلال الفترة القادمة مزيداً من التنافس بين الولايات المتحدة والصين، خاصة بعد فشل الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني لواشنطن، في تحقيق أي تقدم جوهري في العلاقات بين البلدين.










































