اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
إذا كان التحدي في الإعلام سابقًا هو كيف تكتب صياغة مميزة، أو تصنع عنوانًا لافتًا، أو تقدم تصميمًا جذابًا يشد انتباه الناس، فإن الأمر تغيّر اليوم بالكامل، فهذه المهارات أصبحت أسهل من أي وقت مضى بفضل أدوات التقنية والذكاء الاصطناعي التي تستطيع أن تكتب، وتصمم، وتنتج، وتحرر، وتقترح عشرات الخيارات خلال دقائق، ولذلك لم يعد الرهان الحقيقي على من يصنع المحتوى الأجمل، بل على من يقدم المحتوى الأصدق، والأكثر موثوقية، والأكثر قدرة على كسب ثقة الجمهور، لأننا دخلنا مرحلة أصبح فيها الإبهار متاحًا للجميع، بينما بقيت المصداقية هي القيمة الأصعب والأندر.
وهنا تعود الثقة إلى مكانها الطبيعي، فهي ليست تفصيلًا مهنيًا، ولا قيمة تكميلية تضاف إلى المحتوى، بل هي رأس المال الحقيقي لأي وسيلة إعلامية، لأن الجمهور قد ينجذب مرة إلى الإبهار، لكنه لا يعود إلا إلى من يثق به، ومع تضخم المحتوى وسهولة إنتاجه، أصبح الفرق بين وسيلة وأخرى لا يقاس فقط بسرعة النشر أو جودة الإخراج، بل بمدى ثباتها على الدقة، والوضوح، والتصحيح، والشفافية عندما تخطئ.
وتؤكد الأرقام أن هذه ليست مسألة انطباع، فتقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز يشير إلى أن الثقة العامة في الأخبار عالميًا بلغت 37%، بينما لا تتجاوز الثقة في الأخبار التي تصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي 22%، وتنخفض إلى 20% عند الأخبار التي تأتي عبر روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهذه الفجوة تقول بوضوح: إن الجمهور قد يستخدم المنصات الجديدة بكثافة، لكنه لا يمنحها الثقة نفسها التي يمنحها للمصادر الموثوقة.
وفي تقرير رويترز 2025، قال 58% من المشاركين: إنهم قلقون من قدرتهم على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف في الأخبار عبر الإنترنت، كما قال 38%: إنهم يلجؤون أولًا إلى وسائل إعلام يثقون بها عندما يريدون التحقق من معلومة يشتبهون في صحتها، مقابل 14% فقط يلجؤون إلى شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا يعيدنا إلى جوهر الفكرة، فعندما يزداد الشك، لا يبحث الناس عن الأكثر صخبًا، بل عن الأكثر موثوقية.
وفي المملكة، يوضح تقرير 'إنترنت السعودية 2025' الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية أن 61,3% من مستخدمي الإنترنت يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الشبكة، وأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وصل إلى 45,2%، بل إن 80,8% من مستخدمي هذه الأدوات يوظفونها في البحث عن المعلومات، وهو ما يعني أن الجمهور يعيش اليوم داخل تدفق مستمر من الأخبار والمحتوى، وأن فرص الوصول إليه أصبحت أكبر، لكن فرص تضليله أو إرباكه أصبحت أكبر أيضًا.
وتزداد الخطورة لأن التزييف لم يعد ساذجًا كما كان، فلم نعد أمام صورة رديئة أو خبر مجهول المصدر يسهل اكتشافه، بل أمام صوت يمكن نسخه، ووجه يمكن محاكاته، وفيديو يمكن تصنيعه، ونص يمكن صياغته بأسلوب يقارب لغة المؤسسات والإعلاميين، ولهذا أصبحت المؤسسة الإعلامية أمام مسؤولية مضاعفة، أن تكون سريعة، لكن دون أن تضحي بالدقة، وأن تكون جذابة، لكن دون أن تهزمها الرغبة في الانتشار.
ولهذا ستظل الجهات الإعلامية التي بنت لنفسها تاريخًا ثابتًا في المصداقية هي الأقدر على كسب الرهان، ويؤكد مؤشر إيدلمان للثقة 2025 أن الثقة في وسائل الإعلام في السعودية بلغت 61%، وهي أعلى من المتوسط العالمي البالغ 52%، وهذا يمنح الإعلام المحلي مسؤولية أكبر للمحافظة على هذا الرصيد، فالأدوات ستتطور، والتصميم سيصبح أجمل، والفيديو أكثر واقعية، لكن شيئًا واحدًا سيبقى ثابتًا، وهو أن الجمهور يحتاج جهة يثق بها، لأن المحتوى قد يجذب الناس للحظة، أما الثقة فهي التي تجعلهم يعودون.










































