اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
تنطلق السيميائية (semiotics) من التصور الدلالي للعلامات، فهي أثر يدل على معنى، أو علامة تشير إلى شيء معين، كما لو قلنا: الدخان علامة على النار؛ وهذا المثال انطلق منه العالم والفيلسوف الأميركي (تشارلز ساندرز برس Charles Sanders Peirce) عندما نظر إلى الدخان بوصفه علامة حيّة تشير إلى وجود النار، وتدل على معنى الاحتراق (المدلول)، وقد يتفرع عن هذا المعنى مدلولات أخرى، بمعنى أن الدخان أنواع: دخان الحريق، ودخان المصانع، ودخان العوادم، ودخان السجائر، ودخان التدفئة، ودخان الشواء، ودخان البخور، ودخان الطبخ، ودخان البرد، ولكل دخان دلالاته المختلفة، وانطباعاته المتنوعة، فقد يكون مقبولاً، وقد يكون خلاف ذلك.
ويمكن أن ننظر إلى (الألوان) بوصفها علامة عميقة، وأثراً دالاً على معنى (مدلول)، غير أن هذا المدلول قد يتغير بتغير السياقات التي يرد فيها، ومن هنا قد نجد لوناً يدل على معنيين متضادين، كالأسود مثلاً الذي قد يدل على معنى الحزن، وقد يرمز إلى معنى الفرح. ومثل ذلك الأصفر الذي قد يشير إلى الاستواء والنماء، وربما دلّ على القذارة والتلوث، وكذا اللون الأحمر الذي قد يشير إلى الحب، والأناقة، وقد يدل على الغضب، أو التحذير، أو الخطر، واللون الأبيض قد يرمز إلى الصفاء، والهدوء، والسلام، والنظافة، ولكنه قد يشير إلى المرض، والموت، والانتهاء، وهكذا فإن اللون علامة على معانٍ مختلفة، قد تكون إيجابية، وقد تكون غير إيجابية.
وبعيداً عن الجانب النفسي، أو العاطفي، أو السلوكي الذي قد يكشف عنه العنصر اللوني، فقد اتخذ بعضهم من اللون وسيلة لتحليل الشخصيات، وأنماطها السلوكية، كما فعل (توماس إريكسون) في كتابه (محاط بالحمقى)، حيث قسّم السلوك البشري إلى أربعة ألوان رئيسة (DISC)، وذلك من أجل فهم الشخصيات، وتحسين التواصل، وهي: اللون الأحمر الذي جعله يرمز للقيادة والسيطرة، ثم اللون الأصفر الذي خصّه للشخص الاجتماعي، أو المتفائل، ثم اللون الأخضر للهادئ، أو الداعم، ثم اللون الأزرق للتحليلي، أو الدقيق. وقد هدف المؤلف من خلال هذا التصنيف إلى جعل اللون علامة سيميائية على سلوك الأشخاص وتصرفاتهم؛ وذلك لتسهيل التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة في العمل والحياة بشكل عام.
إن للألوان علاماتها الدالة، ورموزها التي تحمل من المعاني النفسية، والإشارات الثقافية، والعادات الاجتماعية، ما يجعلها تتجاوز قيمتها البصرية المجردة، فليس اللون عنصرًا أيقونيًّا فحسب، بل إنه لغة تعبيرية مؤثرة في حدّ ذاتها، حيث يحمل كل لون دلالاته الإيجابية، وربما السلبية، وقد يُستخدم في مجالات عدة: في الطب مثلاً، والهندسة، والتعليم، والفنون، والأدب، و(الديكور)، أو التصميم، وفي كل مجال يضطلع اللون بتوليد دلالات كثيرة، ومعانٍ عميقة، وربما مشاعر، وعواطف، وتأثيرات أخرى، حسية، وغير حسية.
ومن يتأمل في فضاء اللون وعوالمه، سيجد أن لكل لون في الوجود علاماته وأماراته، حتى في عالم الفلك، فلون القمر الأبيض يدل على الجمال والتأمل، والضياء، ولون الشمس الأصفر يدل على الدفء، والطاقة، والإشراق، ولون الغيوم إذا اسوّد كان منذراً بالمطر، ومؤشراً على قرب نزوله، ومثل ذلك إذا تأملنا في لون البروق، والنجوم، والكواكب، والمجرات، والمذنبات، والشهب، والجبال، والصحاري، والبحار، والأنهار، والأشجار، والرمال، وغيرها، فلكل لون منها إشارات، وإيحاءات.
ولفرط اهتمام العرب باللون وما يدل عليه، فقد اصطلحوا على وضع نعوت مختلفة اشتقوها من الألوان، كالأدهم، والأسحم، والأفحم، والأشقر، والأغبر، والأزهر، والأوضح، والأشهب، وغيرها، وهي ليست درجات لونية فحسب، بل ألوان تحتوي على كثير من المعاني والدلالات.










































