اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
من مفارقات عالم الابتكار أنه غير محدود جغرافيا. فقد تبتكر وتجني دولة أخرى ثمار ما طورته في معاملك ومختبراتك وحولته لمنتج ناجح. ربما تحققت القيمة الاقتصادية الكبرى في مكان آخر، فليس كل من يبتكر يصنع، وليس كل من يصنع لديه المعرفة لبناء منظومة صناعية كاملة.
نشرت جامعة كامبريدج مطلع أكتوبر دراسة بعنوان «من الابتكار إلى التنافسية الصناعية»، قومت قدرة المؤسسات البريطانية على تحويل التقدم العلمي إلى قدرات صناعية مستدامة. وصلت الدراسة إلى أن بريطانيا تملك منظومة علمية وابتكارية متقدمة، لكن مؤسسات نقل التقنية وتوطين سلاسل الإمداد والاحتفاظ بالقيمة الاقتصادية ذات أدوار غامضة.
تستحق نتيجة الدراسة التأمل لكشفها عن فجوة لا يعالجها بالضرورة تحقيق مؤشرات زيادة الإنفاق على البحث العلمي، أو ارتفاع عدد براءات الاختراع، أو حتى نجاح الشركات الناشئة في جذب الاستثمارات.
لنحلل المشكلة، علينا النظر إلى الابتكار مقسما الى ثلاث مراحل: مرحلة إنتاج المعرفة العلمية والتقنية، ثم تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق، ثم بناء قدرات إنتاجية وصناعية تراكمية داخل الاقتصاد الوطني.
المرحلة الثالثة هي أكثرها تعقيدا، لأنها تهدف لتعظيم فائدة المنتج الواحد لعدة منتجات. يتحقق هذا الهدف بتطوير منظومة إنتاجية من الموردين الى المعدات إلى المؤسسات التمويل. فقد تطور شركة ناشئة منتجا متقدما محليا، ثم تعتمد مصنِّعا خارجيا للتوسع، وأثناء ذلك تبيع ملكيتها الفكرية منتقلة إلى سوق آخر. هكذا يتحقق النجاح التجاري دون أن تتراكم بالضرورة قدرات صناعية محلية موازية له.
وكما ذكرت هنا مرارا، لا نعني من هذه المفارقة ضرورة أن يكون التصنيع مركزيا دون امتداد دولي، لكن علينا أن نطرح سؤالا استراتيجيا: لتحاشي تحول الاعتماد المتبادل إلى تبعية لا خروج منها، أي القدرات ينبغي الاحتفاظ بها محليا، وأيها ينفذ بالشراكة؟
للاقتصادات التي تسعى للانتقال من استيراد التقنية إلى إنتاجها، فإن هذا التمييز بالغ الأهمية. عليها أن تبني أولوياتها من قيمة الاستثمارات المعرفية التي يمكن تراكمها داخليا. ومن هذه الأولويات، يمكن ربط سياسات البحث العلمي بسياسات المشتريات الحكومية، وتنمية الموردين، وتطوير المهارات، وتحفيز المنافسة.
ما يجب تفاديه هو تحول الشركات الوطنية الكبرى إلى جزر إنتاجية معزولة. دور الشركات الوطنية الكبرى أن يتسع نطاقها لتخرج منها شركات جديدة تدور في مدارها لديها قدرة التمركز لبناء مداراتها الخاصة.
السؤال المركزي معرفي في الأساس، يتمحور حول امتلاك المعرفة لا مجرد الإنتاج.. سؤال الاستدامة مثلا، يعتمد على بقاء المعرفة الضرورية لإنتاج الجيل التقني الثاني باستقلالية داخل الاقتصاد.
لا تتحقق السيادة التقنية بامتلاك المنتج، بل بامتلاك القدرة على التعلم والتطوير وتغيير المسار عند الحاجة. ولعل الفارق الحقيقي بين اقتصاد يستهلك الابتكار واقتصاد يصنعه، ليس في ما يبتكره اليوم، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يبتكره ويصنعه غدا.










































