اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
في أوقات الصراع، تكون حماية المجال المعلوماتي جزءًا من المسؤولية الوطنية والمهنية.. ولا تعني هذه المسؤولية ترديد رواية واحدة أو تجاهل الأسئلة، وإنما تقديم ما يتاح من معلومات دقيقة، وشرح السياق، وتصحيح الخطأ، والإقرار بحدود المعرفة.. فالإعلامي والمؤثر والمتلقي جميعًا شركاء في تشكيل بيئة الاتصال..
تفرض الصراعات والأحداث السياسية حولنا واقعا إعلاميا سريع الإيقاع، تتوالى فيه الأخبار والتصريحات والمقاطع على مدار الساعة. ومع هذا التدفق، يجد المتلقي نفسه أمام روايات متباينة ومعلومات متفاوتة الدقة، وقد يلتبس عليه الخبر المؤكد بالتوقع، والتحليل بالرأي، والمشهد الكامل بمقطع مقتطع من سياقه. هنا يظهر ارتباك السلوك الاتصالي فيتسرع في إعادة النشر، أو انفعال في التعليق، أو اعتماد على عنوان مختصر لتكوين موقف من قضية واسعة. وتزداد أهمية الإعلامي والمؤثر في مساعدة الجمهور على الفهم والتصرف بمسؤولية.
لا تنشأ الفجوة المعرفية من قلة الأخبار وحدها؛ فقد تتسع مع كثرتها إذا وصلت بلا سياق أو اختلطت فيها الوقائع بالتأويلات. فالمتلقي قد يطالع عشرات المنشورات عن الحدث نفسه، ثم يعجز عن معرفة ما ثبت، وما صدر عن مصدر رسمي، وما لا يزال متداولا دون تحقق. كما أن الصور القديمة أو المقاطع المجتزأة قد تعود إلى الواجهة وتستخدم لتفسير أحداث جديدة. لذلك لا يكفي نقل ما ينتشر، وإنما يلزم التثبت من المصدر والتاريخ والمكان، وشرح ما يمكن تأكيده بوضوح، مع الإشارة إلى ما لم تتضح تفاصيله.
وتتوزع المسؤولية على الإعلامي العام والمتخصص والتواصلي، فالإعلامي ينقل الوقائع ويشرح خلفياتها، والمتخصص يضع الحدث في سياقه ويحلل أبعاده، والمؤثر يصل إلى شرائح قد لا تتابع الوسائل التقليدية.. وقد تتداخل هذه الأدوار، لكن معيارها المشترك هو ألا يتحول التأثير إلى سباق على المشاهدات. فالتداول السريع لادعاء غير موثق قد يضاعف القلق، ويمنح الروايات المضللة مساحة أوسع، ويؤثر في فهم الجمهور للمملكة ومواقفها.. أما المحتوى الدقيق والهادئ فيسهم في بناء صورة أوضح ويحد من الالتباس.
وتسهم الجهات الرسمية في هذا المسار بنشر تحديثات واضحة ومتتابعة في أوقات الأزمات الكبرى، فيما يساعد الإعلاميون على شرحها وربطها بأسئلة الجمهور. وعند تأخر المعلومات، يفيد التصريح بما هو معروف وما ينتظر التحقق، حتى لا تملأ الشائعات فراغ الانتظار.
ويحتاج هذا الدور إلى لغة قريبة من الناس، لا تختزل القضية ولا تثقلها بالمصطلحات. من المفيد أن يوضح الناشر ما الذي حدث، وما الذي نعرفه، وما الذي لم يتأكد، وأن يرفق المصادر التي يستطيع المتلقي الرجوع إليها. كما ينبغي الفصل بين الخبر والتعليق والتحليل، وتجنب العناوين التي توحي باستنتاج لا يثبته المحتوى. وفي القضايا الحساسة، تمنح الدقة والهدوء الرسالة قوة أكبر من الانفعال، وتساعد الجمهور على متابعة التطورات دون أن يتحول كل خبر عاجل إلى حكم نهائي.
ولا يصل المحتوى إلى جميع المعنيين بالطريقة نفسها. فالشباب يتابعون منصات سريعة، والمقيمون في المملكة يختلفون في لغاتهم ومصادرهم، ومنهم النظامي وغير النظامي، كما أن الزائر والمعتمر قد ينقل ما يتابعه إلى أسرته ومجتمعه. وقد يركز بعضهم على قنوات بلده ومجموعاته الرقمية، مما يجعل وصول الرسالة المحلية أقل ضمانا. لذلك ينبغي معرفة المساحات التي يرتادها الجمهور، والتعاون مع أصوات موثوقة ومترجمين، وتقديم مواد قصيرة موثقة بلغاتهم. ويمكن نشر الروابط عبر قنوات مناسبة، ومنها الرسائل النصية وفق الأنظمة، وإتاحة الشروح في أماكن العمل والتجمعات والمناشط التجارية.
كما أن التعامل مع كثافة الأخبار مسؤولية المتلقي.. فالمواطن والمقيم يحتاجان إلى التلقي النشط كالتحقق من الحساب والمصدر، والبحث عن تاريخ الصورة وسياقها، ومقارنة الروايات، والتريث قبل المشاركة أو التعليق. ويمكن للمؤسسات التعليمية والإعلامية أن تقدم إرشادات عملية تشرح التحقق من الصور والمقاطع، وتوضح الفرق بين الخبر والرأي والشائعة. فالمشاركة الواعية تقلل انتشار الخطأ، وتحفظ النقاش العام من أن يتحول إلى تبادل للاتهامات وردود الفعل السريعة.
ومن المفيد أن تتكامل جهود المؤسسات الإعلامية والإعلاميين والمؤثرين، عبر تبادل المصادر، والاتفاق على معايير للتحقق، وتوزيع الأدوار بين الرصد والشرح والترجمة. ويستمر العمل بعد النشر بمتابعة الأسئلة والتفاعلات، ومعرفة ما سبب الالتباس، ثم تعديل الرسائل والقنوات. ولا يكفي قياس النجاح بعدد المشاهدات؛ فالأهم أن تصل المعلومة إلى الجمهور المقصود، وأن تصبح الصورة أوضح، وأن يتحسن سلوكه في التعامل مع الخبر. واحترام الخصوصية وقواعد المجتمعات الرقمية شرط لبناء الثقة.
في أوقات الصراع، تكون حماية المجال المعلوماتي جزءا من المسؤولية الوطنية والمهنية.. ولا تعني هذه المسؤولية ترديد رواية واحدة أو تجاهل الأسئلة، وإنما تقديم ما يتاح من معلومات دقيقة، وشرح السياق، وتصحيح الخطأ، والإقرار بحدود المعرفة. فالإعلامي والمؤثر والمتلقي جميعا شركاء في تشكيل بيئة الاتصال. وكلما اتسم النشر بالوعي والتثبت، قلّ الارتباك واتسعت مساحة الفهم، وأصبح الجمهور أقدر على متابعة ما يتعلق بالمملكة بعقل متزن وثقة تستند إلى معلومات موثوقة.










































