اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
مبارك حبيب -
قضت محكمة الجنايات برئاسة المستشار عبدالوهاب عمر المعيلي، وعضوية القاضيين عبدالرحمن فؤاد الرفاعي، ووقيان نجيب الوقيان، ببراءة مواطن من تهمة الإضرار بالمصالح القومية للبلاد في قضية «تعدين عملات رقمية جديدة». وقضت المحكمة بتغريمه 500 دينار عن كل متر مربع مخالف وأمرت بإزالة الأعمال المخالفة على نفقته ورد الشيء إلى أصله، وذلك عن تهمة استغلال مبنى سكني بمنطقة الوفرة السكنية في غير الغرض المخصص له بإقامة نشاط تعدين العملات الرقمية.
كما أمرت بمصادرة المضبوطات، وقدرت مبلغ 100 دينار للمحامية المنتدبة للدفاع عن المتهم.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها التي حصلت عليها القبس: إن الإضرار بالمصالح القومية للبلاد اتهام خطير، لا يُحمل على كل مخالفة تنظيمية، مشددة على أن تهمة المساس بمصالح البلاد تنطوي على اعتداء سياسي أو أمني أو اقتصادي يمس جوهر سيادة الدولة، مشيرة إلى أن تهمة «تعدين العملات» لم تهدد استقرار البلاد أو هيبتها أو ثقتها المالية.
وذكرت أن المصالح القومية لا تختزل في شبكة كهرباء محلية، ولا تقاس بفاتورة استهلاك، ولا تستمد من مخالفة فردية.
النصوص الجزائية
وأكدت المحكمة أن الأصل في النصوص الجزائية أن تُصاغ في أضيق نطاق، وأشدّ وضوح، حتى لا يكون الغموض مدخلًا لانتهاك حرية كفلها الدستور، فما لم يُجرّمه القانون بلفظه، ويُحكم تجريمه بنصّه، بقي في دائرة الإباحة، وظلّ فاعله في حصن البراءة.
وأضافت: ولئن كانت الحرية ليست مطلقةً عن قيد، فإنها لا تُقيّد إلا بقانون، ولا تُمسّ إلا بقيدٍ صريحٍ ناطق بعباراته، فلا اجتهاد مع النص، ولا عقاب بغير يقين، ولا تأثيم بغير قانون.
وشددت المحكمة على أن الإنسان في نظر القانون حرٌّ بأفعاله، ما لم يصادم نصًا أو يخالف حكمًا، ومن ثمّ، فإن كل نصٍّ يُصادرها بعباراتٍ فضفاضة أو معانٍ مختزلة لا تقف على حدودٍ بيّنة، يهدم مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة، ويفتح باب التأثيم ويُعرّض الحريات لما حُظِر عليها أن تمسّه الأهواء.
وذكرت أن حرية الافراد، لا تُضيَّق إلا بقيدٍ تشريعيٍّ صريحٍ محكمٍ، فإذا خلا النص من بيان الفعل المجرم، بقيت الحرية على أصلها، وظلّ الإنسان في حمى القانون.
وقالت إنه ليس من شأن القضاء أن يُقيم من الفعل معيارًا، ولا أن يستولد منه جرما، لأن الأفعال لا تُوزن إلا بميزان القانون ومن ضيّقها بتأويلٍ متكلّف أو قيدها بتخمينٍ مرسل، فقد خالف القانون ونقض مبدأ شرعيته.
واعتبرت أن مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة أصل دستوري لا يقوم تجريمٌ ولا عقاب إلا عليه، فقد خوّل المشرّع - دون سواه - وبموجب سلطته التقديرية التي يمارسها في إطار الدستور، حقَّ إنشاء الجرائم وتحديد العقوبات، لا توسّعًا ولا افتراضًا، بل تحديدًا وضبطًا وبيانًا، وإذ كان هذا المبدأ قد اتخذ من الحرية الشخصية أساسًا له وبنيانًا لإقراره، فهي ذاتها التي ترسم حدوده وتقيد محتواه ومضمونه، فلا يُنفذ إلا بالقدر اللازم لصونها، ولا يُمسّ إلا بنصٍّ صريحٍ جليٍّ لا غموض فيه ولا التباس، فالأفعال المجرمة لا بد أن تُحدَّد تحديدًا قاطعًا، وتُعرَّف تعريفًا مانعًا، حتى يكون المخاطبون بالقانون على بيّنةٍ من حدود المباح والمجرم لمعرفة حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم اجتنابها.
وجاء في الحيثيات أن وصف الإضرار بالمصالح القومية للبلاد جسيم الأثر، ولا يُحمل على كل فعل جانح أو مخالفة تنظيمية، ولا يستدعى عند كل إفراط في استهلاك طاقة أو إسراف في مورد، بل ينصرف بحسب قصده التشريعي ومكانه من النص إلى صور محددة ضيقة، تنطوي على اعتداء سياسي أو أمني أو اقتصادي يمس جوهر سيادة الدولة، ويهدد استقرارها أو هيبتها أو ثقتها المالية، كالتآمر على النظام الاقتصادي، أو زعزعة الثقة بالدولة عبر نشاط موجه أو دعاية مغرضة.
وأضافت: أما أن يُحمل هذا الوصف على فعل مادي محض قوامه استهلاك طاقة داخل عقار خاص، ولو كان مفرطا، فإنما هو تحميل للنص فوق ما يحتمل، ومجاوزة لحدود التجريم التي رسمها المشرع، فالمصالح القومية لا تختزل في شبكة كهرباء محلية، ولا تقاس بفاتورة استهلاك، ولا تستمد من مخالفة فردية ذات دافع ربحي محض، لم يثبت أنه مس استقرار الدولة، وبنيانها الاقتصادي وبنيتها التحتية، ذلك أن هذا النص قد صيغ درعا للدولة من الخطر القومي الذي يهدد اقتصادها فلا يمتد إلى أفعال تعدين رقمي مارسها المتهم طمعا بالربح، ولا يندرج في خانة الاضرار بمصالح البلاد القومية وهيبتها واستقرارها، وثقتها المالية العالمية، فإن إدراج هذا السلوك في تلك الخانة تحميل للنص فوق ما يحتمل، وافتئات على الحريات وفتح لباب التجريم بغير نص يمكن الجهات القائمة على تطبيق القانون، وفقا لتقديرها دون ضابط يقيدها من تقييد ما لم يقيده القانون.
وحيث إنه وعن التهمة الثانية المسندة للمتهم وقد استبان للمحكمة وجه الحق، وقلبت أوراق الدعوى قلب الخبير المتمرس، وتناولت بالدراسة حقيقة ما نسب إليه من مباشرة نشاط اقتصادي دون ترخيص صناعي، فوقفت على أن ما يُسمّى بتعدين العملات الرقمية مجرد عمليات حسابية، تجريها أجهزة إلكترونية تعمل على حل خوارزميات رياضية تفضي إلى تسجيلات رقمية على شبكات لا مركزية، لا تنتج شيئا بالمعنى الصناعي، ولا تحوّل خامة «إلى منتج»، وجوهره سبر معادلات إلكترونية لا تنبت منتجا ماديا، ولا تفرز سلعة محسوسة، ولا تُحوّل مادة إلى أخرى، بل هو عمل حسابي لا يجاوز أسلاك الأجهزة ولا يُغادر ذاكرة المعالج ليس بصناعة ولا هو حرفة خارج عن نطاق الأنشطة التي تناولها قانون التنظيم الصناعي الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وقانون الصناعة، وهو يخرج عن دائرة المناعة التي عرفها القانون، من ثم فلا ينعقد له وصف صناعي يرتب عليه التزامات الترخيص أو الرقابة من ثم فإن تلك التهمة جاءت منبتة الصلة بواقع النشاط وحقيقته.
ولما كانت أفعال المتهم على هذا النحو قد خلت من كل فعل مجرم بنص التهمتين سالفتي البيان وينتفي بذلك ركنهما المادي، ويسقط تباعا معهما الركن المعنوي، فلا قصد جنائيا حيث لا جزاء، ولا مسؤولية من غير وجود نص، لذا تقضي المحكمة ببراءة المتهم من الاتهامين الأول والثاني.
الأفعال المُجرَّمة
ذكرت المحكمة أن الأفعال المجرمة لا بد أن تحدد تحديدًا قاطعا، وتعرف تعريفا مانعًا، حتى يكون المخاطبون بالقانون على بينة من حدود المباح والمجرم وحقيقة الأفعال التي يتعين عليهم اجتنابها.
حرية الإنسان
شددت المحكمة في حيثياتها على أنه لا تأثيم بغير قانون، فالإنسان في نظر القانون حرّ بأفعاله، ما لم يصادم نصا أو يخالف حكمًا، من ثم، فإن كل نص يُصادرها بعبارات فضفاضة أو معان مختزلة لا تقف على حدود بينة، يهدم مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة، ويفتح باب التأثيم ويُعرّض الحريات لما حظر عليها أن تمسه الأهواء.
المحكمة مقيدة بحدود النص
إذ تقر المحكمة أن ما أقدم عليه المتهم لا يحظى بقبولها، إلا أنها مقيدة بحدود النص، وأطر القانون، فلا تدين حيث لا تجريم، ولا تعاقب حيث لا نص.


































