اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٧ حزيران ٢٠٢٦
بعد أيام من النجاح الكبير الذي حققته أغنية «متى» للفنان كاظم الساهر، يأتي الإصدار المنفرد الثاني «إلا أجيبك» ليعمق الرؤية، ويؤكد أن هوية الألبوم المنتظر ستكون مليئةً بالموسيقى الجديدة، نابضةً بـ«العراقية الغزيرة»، مليئة بالصور الشعرية المتفردة القريبة للقلب، مغمورة بالتمرد والرومانسية والمشاعر العاصفة.
في «إلا أجيبك» يبدو كاظم الساهر وكأنه يدرك التغيّر الحادث في اتجاهات السوق وما يجذب الأجيال الشابة، لكنه يعيد صياغة تلك العناصر بما يتماشى مع شخصيته الفنية المتفردة، ليوازن بين إرضاء جمهور الأمس، في الوقت الذي يقترب مما يريده جمهور اليوم، يفعلها بمعاييره الخاصة في الكلمة واللحن والأداء، وبوضعه للرؤية الموسيقية التي ينفذها الموزعون.
يواصل هنا القيصر تجاوزه لمنطقة الملحن والمطرب، ويبرز من جديد شاعراً يكتب ذاته، بقصيدة عامية ساحرة في تعبيرها، يثبت القيصر مجدداً أنه لا أهمية للمقارنة التقليدية بين غنائه بـ«الفصحى» أو «العامية»؛ لأنه ينقب في كل لغة عن أصفى جمالياتها.
جرعة من الحنين
وفي هذه الأغنية، يستعيد روح الأغنيات التي صنعت مجده خلال فترة التسعينيات، إذ حمل اللحن والتوزيع بعض ملامح من أسلوبه في تلك الفترة. ما منح جمهوره الأصيل جرعة من الحنين إلى أجمل محطاته الفنية. وفي الوقت نفسه، فإن بساطة الكلمات تجعل الأغنية قادرة على التواصل مع الأجيال الشابة.
وقد كتب كاظم الساهر كلمات «إلا أجيبك» كقصيدة عامية رومانسية، متعددة البحور والأوزان الشعرية، لتعكس بدقة التقلبات في نفس المحب. النص يبدأ بنبرة حادة تعكس تحدي المحب ورغبته المشتعلة في الفوز بقلب محبوبته الصعبة المراس، والتي تبدو في حكايته كنزاً بعيد المنال «حرقت الروح وراح أتجنن والله لأجيبك».
لكن النص لا يسير في خط مستقيم، بل يحمل انعراجات درامية وتحولات، إذ ينتقل من لهفة المشاعر والاندفاع الواثق نحو الهدف في مقطع «وراك وراك إلا أجيبك يا ملاك»، لتصل بعدها إلى سرد أعراض الواقع في الحب «هو هذا الحب تنسى نفسك تنسى عمرك»، ومن ثم مناجاة القلب ومحاولة تهدئة لوعته الفائضة «لا يا قلبي وين رايح».
الحب برضا تام
وتصل الجماليات الشعرية في القصيدة إلى ذروتها عندما يقر المتكلم بهذا الحب برضا تام، حتى لو كان مجرد سراب أو وهم يستحيل تحققه في الواقع، أو أنه سيفضي للموت. ليتحول الوهم هنا إلى ملاذ، وتصبح المعاناة غاية في حد ذاتها حين يشدو: «حتى لو وهم بخيالي من سراب الوهم أروي.. وحتى لو عذبت حالي الموت بمحبتك يسوى»، تلك الحساسية التعبيرية في الكلمة تُرجمت بدقة في البناء اللحني، حيث جعل الساهر من هذه التحولات النفسية تنقلات مقامية بالغة العذوبة.
ويستهل الساهر الأغنية من مقام الكرد «من درجة فا» وهو المقام المعروف بفيضه العاطفي الجياش، تسبقه جمل رومانسية تقودها الكمان بنعومة رومانسية، مدعومة بنقرات بيانو دافئة. لكن الأغنية لا تلبث أن تتلون بمذاق أكثر شعبية وحيوية مع دخول جملة مزمار الكيبورد الشجية، مما يخلق تمازجاً فريداً بين الهوية الغربية الكلاسيكية والروح الشرقية.
«كلشي ممكن يا حبيبي»
وفي شطر «كلشي ممكن يا حبيبي»، يحدث انتقال ممتاز إلى مقام البياتي الشوري من درجة فا، وهو مقام نادر الاستخدام يدمج جنسي البياتي والحجاز معاً، ليمنح الأغنية جرعة مكثفة من الحس الطربي الأصيل الذي يوازن شجن ورومانسية الكرد، ويرتفع الأداء التعبيري للقيصر هنا إلى قمته، ولا سيما عند الختام حيث ترتعش نبرات صوته شجناً وتأثراً عند جملة «الموت بمحبتك يسوى»، مبرزاً المعنى الإنساني العميق للتضحية، قبل أن يقرر العودة مجدداً إلى مقام الكرد في مقطع «لا يا قلبي وين رايح»، ولكن بدرجة ركوز مغايرة «سي بيمول» بديلاً عن درجة «فا» التي بدأ منها الغناء، هذا التغير يناسب حالة الحوار الداخلي ومناجاة القلب العليل، ولا يترك كاظم مقام البياتي الشوري قبل أن يمر عليه مرة أخيرة في «ايش هالمحبة»، ثم يرجع مع الكورال إلى كرد «فا» الذي بدأ الغناء منه في «هو هذا الحب».
التوزيع الموسيقي للفنان محب الراوي استطاع أن يترجم رؤية الساهر وأفكاره الموسيقية بشكل جيد، حيث خلق توازناً بين حالتين متناقضتين؛ بهجة المحب المتحمس، وغصة اليأس من صعوبة الوصول لمحبوبته. وتجسد هذا التباين في الفرح والشجن من خلال تنوع إيقاعي ثري، حيث تدرجت الأغنية بين إيقاع المقسوم البلدي في مقطع «أنت أنت اللي عشقته»، لينتقل بعدها بسلاسة إلى إيقاع الرومبا الكلاسيكي في «بس أحبك موت أحبك»، ثم يتصاعد الحماس مع إيقاع الصقفة المبهج في «هو هذا الحب»، وصولاً إلى إيقاع الوِحدة برصانته المعروفة في «كلشي ممكن يا حبيبي».
صوت الكورال
كما تميز التوزيع في الاستغلال المكثف لصوت الكورال النسائي والرجالي، وهي سمة ثابتة في أغنيات كاظم مهما اختلفت أسماء الموزعين في أغنياته. الكورال هنا يشارك بطل الأغنية لهفته وتحديه، خاصة في المردات الحماسية السريعة مثل «وراك وراك إلا أجيبك يا ملاك»، مما أعطى الأغنية لمسة ملحمية.
أغنية «إلا أجيبك» تؤكد أن كاظم الساهر يبحث عن أجمل ما في «العامية» من مفردات ليصنع طرباً عابراً للأجيال والطبقات والشرائح الثقافية. مستعيناً بتوليفة دسمة موسيقياً، تبشر بألبوم صيفي يعيد الطرب الشرقي الأصيل إلى الواجهة، بروح عصرية متجددة وممتعة.


































