اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٣ أيار ٢٠٢٦
أمجد جمال -
يعود قيصر الغناء العربي، الفنان القدير كاظم الساهر، بأحدث إصداراته الغنائية «متى»، ليؤكد أن الاستمرارية هي حليفة الإبداع المخلص. يعود الساهر إلى أحضان عشاقه الملايين الذين ينتظرون إنتاجاته بلهفة، وهذه المرة ليست بالفصحى بل بلهجته العراقية التي صاغت كثير من نجاحات الماضي.
أغنية «متى» جاءت من كلمات وألحان الساهر، وبتوزيع موسيقي بهوية عراقية أصيلة وفقاً للرؤية الموسيقية للساهر نفسه.
تأتي كلمات الأغنية متأثرة بقالب الأبوذية، وهو قالب شهير في الشعر العراقي الشعبي، والذي عادة ما يُنظَم من خلال أربعة أشطر تلخص عاطفة أو حكاية، ويُعظِّم هذا القالب من استخدام أداة «الجناس» اللغوي.
يبرع كاظم كشاعر في تضفير مفردات اللهجة العراقية في صناعته لجماليات الكلام، وتحديداً «الجناس»، الذي يعتبر من أوضح سمات شعر الأبوذية، حيث وظّفه كاظم كثيراً بشكل مقصود يتضح في: «أسكره» (أغيبه عن الوعي) و«أسكره» (أغلقه)، وامتد الجناس في «شفتك» (الرؤية) و«شفتك» (الشفتين). ثم يظهر من جديد في «وناسه» (بهجة) و«وناسه» (البشر المحيطين).
موسيقياً وغنائياً، يستحق هذا العمل الفني لوقفة تقدير وتأمل حقيقية، فالأغنية تكشف عن رؤية موسيقية عميقة للفنان كاظم الساهر، ترفض هذه الرؤية الاستسهال والقوالب الشائعة، وتؤكد حضور عقل موسيقي مثقل بإدراك قيمة التراث الغنائي العربي، إذ حافظ القيصر على روح «الطقطوقة» الكلاسيكية من خلال انتقالات سلسة بين المذهب والكوبليهات، ولكن مع تنويعات محسوبة أبقت الهوية الأصلية للقالب حاضرة بوضوح.
من هنا وهناك، تتجلى عبقرية كاظم الساهر الذي لا يقدم لحناً مغنى إلى الموزع ثم يرحل مثل بعض الفنانين، بل يفرض رؤيته في شكل الموسيقى، ما يتضح أكثر في تلك المفارقة الشعورية المثيرة: حين نسمع في الفواصل عزفا جماعيا لآلة الترومبيت النحاسية. لم تُعزف الترومبيات بطريقة غربية «أوركسترالية أو جازية»، بل صيغت بطريقة أقرب للفرق الشعبية التي تعزف في الأعراس العراقية.
وكأن تلك الفواصل بمنزلة «زفّة» أو رقص على وجع الحبيب. وهنا تكسر الأغنية نمط الأبوذية نفسها، والتي عادة ما تغالي في الحزن أو الغزل، بينما جاءت الفواصل بعزف الترومبيت لتحدث توازن يكسر التوقعات، وتؤكد فكرة تراثية بالأساس تفيد بأن طقوس الحزن أحياناً ما تُمارس في الأفراح والعكس.
غير أن التميز الحقيقي تجلى في الخاتمة، عبر مساحة غنائية حرة أقرب إلى «الموّال»، أتاحت لكاظم الساهر التألق بإمكاناته الصوتية والتعبيرية من دون الإخلال بالبناء الكلاسيكي للأغنية.
هذه المعالجة تؤكد أن هذا العمل نموذجاً لوعي فني يحترم تاريخ الموسيقى العربية، ويؤمن بأن التجديد الحقيقي يتحقق بالانطلاق نحو أفق أكثر نضجاً وعمقاً.
على الصعيد النغمي انتقى كاظم مقام الحجاز–كار من درجته الأصلية (دو) ليبني عليه لحن الأغنية، وهو اختيار جيد، فميزة هذا المقام أنه يحتوي على جنسين حجاز متتاليين (جنس الجذع وجنس الفرع)، ما يضاعف شخصية مقام الحجاز العادية، ويكرس لشعور الشجن مع الروح الشرقية الذي يمتاز بها الحجاز بصفة عامة، ما يعطي فرصة لكاظم بالسلطنة في الغناء.
تنساب أنغام الأغنية بمساحة تزيد على الأوكتاف ونصف الأوكتاف، وتحديداً من درجة دو قرار إلى درجة صول دييز جواب (C3-G#4)، بمرونة ملحوظة. نشعر في الأجزاء الأولى أن هناك بساطة لحنية تلمس القلب مباشرة، مع الالتزام بنسق الجمل اللحنية الأساسية. غير أن التميز الحقيقي تجلى في الخاتمة «تعال الدنيا منغيرك بلا روح» حيث ينطلق صوت القيصر لأبعاد صوتية قصوى إذ يصل لدرجة جواب الصول دييز (G#4)، وهي من إحدى درجات الأصوات الرجالية.
بزخم واضح في الآلات والأصوات، نجح التوزيع الموسيقي لهشام نياز في تحقيق رؤية كاظم الساهر بملامسة الروح العراقية الأصيلة، مع إضافة أفكار تعبيرية عديدة تجسد تيه العاشق وارتباكه وألمه. كما امتاز التوزيع بلمحة تراثية، وظهرت في اختيار الإيقاع المقسوم، والآلات الميلودية من ناي وعود وكولة وربابة وكمان شرقي، مما صنع الحاضنة المثلى للحن القيصر.
تبدأ الأغنية بعزف قوي على آلة العود بأوتارها الأغلظ، مدعومة من آلة الكمان. العزف حمل لمحة إيقاعية هجومية وكأن العازف يدق الأوتار بغضب عارم، وهو ما يترجم ثورة العاشق الذي يشكو غياب معشوقته.
في مقطع «وأقوله حبيّبي وما يخون..»، تظهر في الخلفية هارمونيات حزينة معتمدة على السلم الملوّن (كروماتيك)، لتشي بالصراع الداخلي لدى بطل الأغنية، أما هارمونيات الكوبليه الأول، فقد جاءت معزوفة بتآلفات بيانو مُركبّة أقرب إلى موسيقى الجاز، بينما في الكوبليه الثاني تتجلى آلة الربابة بطابع جنائزي حزين خلف صوت كاظم. فيما يحدث تحول مدهش في الكوبليه الثالث حين تصمت الإيقاعات لأول مرة منذ بداية الأغنية، مفسحة المجال للقيصر ليصدح بندائه الأخير بصوت يذبحه وجع الحنين والاشتياق.
أغنية «متى» حلقة جديدة في سلسلة تؤكد أن كاظم الساهر لا يزال حارساً لقلعة الأغنية الرصينة شكلاً وموضوعاً. فهي تجمع بين أصالة اللحن والمفارقات التعبيرية للفظ، وزخم التوزيع الموسيقي، والأهم أنها تؤكد بأن ألبوم القيصر المقبل سيكون على قدر العطش والانتظار.


































