اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
مفرح الشمري
قدم مسلسل «بيت السعد»، الذي انتهت عرض حلقاته على منصة وزارة الإعلام «51»، نموذجا للدراما الاجتماعية الخليجية التي تجمع بين الصراع العائلي والقانوني والمهني، وتبني أحداثها حول فكرة الحضانة الأسرية والتي تتجسد في المثل الشعبي «الظفر ما يطلع من اللحم» هذا المثل لا يظهر في العمل بوصفه حكمة شعبية فحسب، بل يتحول إلى محرك درامي يفسر قرارات الشخصيات ويحدد مسار الأحداث حتى تصل رسالة المسلسل وهي ان العائلة الحقيقية تقوم على الرعاية والمسؤولية، لا على الحقوق القانونية فقط، وان الشك قادر على تدمير العلاقات حتى بين أقرب الناس.
حبكة المسلسل تعتمد على خطين دراميين رئيسيين يتقاطعان فكريا رغم اختلاف الأحداث: خط العائلة (الجد سعد الفرج) وأحفاده سعد (علي الحسيني)، رغد (ترف العنزي)، فهد (راكان العجمي)، شهد (غادة العنزي)، وخط المحامين رمضان خسروه ولمياء طارق وشعيب (محمد الرفاعي) بالإضافة إلى خط «الخالة» أليسا الشمالي.
حادث مأساوي
العمل يقع في 10 حلقات، وهو من تأليف وإخراج رمضان خسروه، والإشراف العام للمنتج عبدالرحمن الدين، وورشة كتابة عصام الكاظمي، سعود التميمي، أيمن شحيمي، والإنتاج لشركة شركة «كويت فيلم»، وتنطلق أحداثه بعد وفاة الابن (حمد العلي/ قلم) في حادث مأساوي هو وزوجته، يجد الجد سعد نفسه أمام مسؤولية تربية أربعة من أحفاده، هذه اللحظة تشكل الصدمة الدرامية الأولى في العمل، إذ تنتقل الأسرة فجأة من الاستقرار إلى حالة من الفقد والارتباك، لكن البيت يتحول تدريجيا إلى فضاء بديل للأبوة، فالجد لا يؤدي دور الراعي فحسب، بل يصبح مصدر الحنان والاستقرار النفسي للأطفال، هنا تتجلى الفكرة الأولى للمسلسل بأن العائلة قادرة على إعادة بناء نفسها رغم الخسارة على الرغم من اختلاف الجيلين (جيل الجد وجيل الاطفال الحالي) وتسير الحياة على هذا المنوال، الى أن تتصاعد الأحداث وتتوتر حين تظهر (خالة) الأولاد المقيمة خارج الكويت مطالبة بحضانة الأطفال وترفع دعوى قضائية بمساعدة المحامي رمضان وتنجح من خلالها في الحصول على حكم أولي بالحضانة، ليخلق هذا التطور صراعا دراميا قويا، لأن القضية لم تعد عاطفية فقط، بل أصبحت قضية قانونية تحدد مصير الأطفال، تأخذ (الخالة) الاطفال باستثناء (سعد/ علي الحسيني) لأن عمره 15 عاما ويحق له ان يختار مع من يعيش فاختار ان يعيش مع جده الذي ضاق صدره هو والمحامية لمياء من حكم الدرجة الاولى، ولكن في مرحلة الاستئناف انكشفت حقائق جديدة، منها معاناة الخالة من اضطرابات نفسية، محاولة محاميها إعلان إسلامها أمام المحكمة لتعزيز موقفها القانوني، ثم انكشاف أن هذا الإعلان كان تحايلا قانونيا، أدت هذه المعطيات إلى صدور حكم الاستئناف الذي يعيد الحضانة إلى الجد، وهو قرار يعيد التوازن الدرامي للعمل، وذلك بعد ان عاد الأحفاد إلى جذورهم على الرغم من المناورات القانونية التي لجأت اليها «الخالة» ومحاميها.
أزمة مختلفة
في الخط الدرامي الثاني، يطرح المسلسل أزمة مختلفة لكنها موازية في العمق أزمة الثقة داخل الزواج، المحامي رمضان يعيش حالة من الشك تجاه زوجته المحامية لمياء التي تعمل في مكتب آخر يديره المحامي شعيب، ويتولى المكتب قضية تجارية ضخمة بملايين الدنانير، يتحول الشك تدريجيا إلى توتر زوجي، فيطلب رمضان من زوجته الانسحاب من القضية، لكن لمياء ترفض ذلك، لأنها ترى أن التزامها بالقضية واجب مهني والانسحاب يعني الإضرار بسمعتها المهنية
وهكذا يتحول الصراع إلى مواجهة بين المهنة والحياة الشخصية، وفي ذروة التوتر، يذهب رمضان إلى مكتب المحامي شعيب ليشرح له مخاوفه وشكوكه، والمفارقة الدرامية أن المحامي شعيب، بدل أن يرفض تدخل رمضان، يختار حماية سمعة المكتب، فيطلب من لمياء تقديم استقالتها، فتستقيل وتطلب الطلاق من زوجها وتحصل عليه ويتم القبض على زوجها بتهمة التجسس عليها بعد اكتشافها جهاز للتنصت بسيارتها لتعيش حياتها من جديد بعد أن استطاعت أن تربح قضية حضانة الجد للأحفاد وتفتح لها مكتبا للمحاماة تديره بنفسها.
توصيل رسالة
ونجح المخرج رمضان خسروه باقتدار في توصيل رسالة العمل بسلاسة إلى المشاهد لاهتمامه بأدق التفاصيل في أحداث العمل بعيدا عن «الفذلكة» التي يتبعها بعض المخرجين في مثل هذه الأعمال الدرامية التي تناقش قضايا مهمة مثل قضية الحضانة.
يحسب للإعلامي حمد العلي مشاركته في هذا العمل على الرغم أن دوره ينتهي من الحلقة الاولى إلا انه كان هو المحور في تحريك وتطوير أحداث المسلسل، خصوصا وأنها تجربته الاولى بالتمثيل، كما يحسب للأطفال المشاركين في هذا العمل بتقديمهم أداء متقنا ومدروسا بشكل كبير يتماشى مع أجواء العمل خصوصا ان اغلب مشاهدهم مع عميد الفن الخليجي سعد الفرج فلا يشعر المشاهد بأي رهبة او خوف في حديث الاطفال مع الجد الذي كان يعطيك إحساسا بالابوة الكبيرة التي كان يختزلها الفنان القدير سعد الفرج في حديثه مع أحفاده، بالإضافة إلى حديثه مع المحامية لمياء التي كانت في قمة عطائها في هذا العمل خصوصا في المشاهد التي تجمعها مع زوجها المحامي رمضان خسروه الذي استطاع أن يقنع المشاهدين بأنه محام انتهازي وزوج يقتله الشك.
أجواء العمل
أغنية المسلسل التي كتبها ولحنها رمضان خسروه وغناها بإحساس كبير عبدالرحمن الدين لخصت الجو العام للعمل منذ البداية انطلاقا من «يا فرحة لا تسرين شبيني وبينچ.. عمري مع السنين سرقتهم ايدينچ» هذا المطلع يعكس حالة الإنسان الذي فقد الطمأنينة بعد خسارة كبيرة، وهي الحالة التي عاشها الجد بعد وفاة ابنه، ثم تقول الكلمات «بس الحزن وافي.. باين على أوصافي» وهي كلمات أكدت أن الحزن اصبح هوية نفسية للشخصيات في بداية أحداث العمل، أما مقطع «تظن الدنيا بيدينك.. وباجر يشبه أحلام ناسي.. إن غمضت عينك تبدل حال أيامك» فهو يعبر عن تقلبات الحياة المفاجئة التي شهدتها القصة، سواء في قضية الحضانة أو في أزمة الثقة بين الزوجين، تنتهي أغنية المسلسل بالمقطع «ذي دنيا مالها دستور.. تدور من تشتهي تدور» وهي خلاصة العمل بأن العالم لا يسير دائما وفق قواعد واضحة، بل تحكمه الظروف والمفاجآت والمشاعر الإنسانية.
أخيرا.. «بيت السعد» قدم للمشاهد دراما اجتماعية تقوم على مزج الصراع العائلي بالقانوني والمهني، ومهما تعقدت تلك الصراعات وتداخلت المصالح «الظفر ما يطلع من اللحم».


































