اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
للكلمات مقامات، وما يصلح في حديث عابر لا يصلح في كل موضع. وحين يكون الحديث عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، تصبح العناية باللفظ جزءًا من المعنى نفسه؛ فالرجل الذي غيّر مجرى التاريخ وحمل رسالة الإسلام ليس في وجدان المسلمين شخصية من صفحات الماضي، وإنما نبيهم الذي يصلون ويسلمون عليه كل يوم، ويقرنون اسمه بالشهادة والإيمان.
الحديث الذي جرى تداوله أخيرًا لخبير تربوي، وما أثاره من اعتراض وغضب، يعيد هذه المسألة إلى الواجهة. ولسنا هنا في معرض محاكمة الرجل أو تفتيش نيته، كما لا يعنينا الدفاع عنه. الأشخاص يمرون، والقضية أوسع من شخص ومن مقطع فيديو: كيف نتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأي قدر من المسؤولية يجب أن يحمله من يروي سيرته أو يستشهد بها أمام الناس؟
القرآن نفسه وضع لهذا المقام أدبه. يقول تعالى: «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ». والتوقير هنا ليس معنى نظريًا؛ يظهر في القول كما يظهر في الفعل، وفي المفردة التي نختارها حين نروي خبرًا عنه أو نتحدث عن سيرته.
وهذا هو جوهر ما أكدته دائرة الإفتاء العام حين شددت على تعظيم المقام النبوي، والتزام الأدب والتوقير وانتقاء الألفاظ اللائقة به. واستحضرت ما نقله القاضي عياض في «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» عن شدة تحرز العلماء حتى عند نقل كلام غيرهم إذا كان فيه ما لا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان ذلك الاحتياط حاضرًا في زمن كانت الكلمة فيه محدودة الانتشار، فهو اليوم أشد ضرورة. جملة واحدة أمام كاميرا قد تغادر سياقها خلال دقائق، وتصبح مقطعًا يتناقله آلاف الناس. وهنا تتضاعف مسؤولية الخبير والإعلامي والأكاديمي وصانع المحتوى؛ فالمنبر الواسع لا يمنح صاحبه تأثيرًا فقط، وإنما يحمّله تبعات ما يقول.
والمسؤولية تقع أيضًا على من يعترض. فليس دفاعًا عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم أن نكرر العبارة التي نرفضها ونمنحها انتشارًا أكبر. يمكن الاعتراض والتصحيح والرد من دون إعادة إنتاج ما نراه غير لائق.
سينتهي تداول المقطع، كما تنتهي كل قصة عابرة على المنصات، لكن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحكمه دورة الأخبار ولا قوائم الترند.
ومن صدقت محبته للنبي ﷺ، عرف كيف ينتقي كلماته حين يذكره.












































