اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
التحولات في قطاع الدفاع الأميركي: اقتصاد موجّه بحلة عسكرية
د. عدلي قندح
لم تعد صناعة الدفاع في الولايات المتحدة مجرّد قطاع صناعي يُغذّي الجيش بالسلاح، بل تحوّلت إلى قاطرة استراتيجية تقود مسارات الأمن القومي والتنمية الاقتصادية في آن واحد. العديد من المؤشرات تكشف عن ملامح تحوّل عميق في السياسة الأميركية؛ الإدارة لم تعد تكتفي بتمويل الشركات الكبرى مثل لوكهيد مارتن التي حققت مبيعات دفاعية تقارب 67 مليار دولار عام 2024، وبوينغ التي تجاوزت عائداتها الدفاعية 27 مليار دولار، بل تسعى إلى الاستحواذ على حصص مباشرة فيها، بما يجعلها شبه 'شركات حكومية” تعمل تحت الإشراف المباشر للدولة.
هذا التحوّل يعكس إدراكاً متنامياً بأن القدرة العسكرية ليست ممكنة دون قاعدة صناعية قوية. فالاستثمار في الدفاع لا يقتصر على الصواريخ والطائرات، بل يمتد إلى خلق وظائف، وتحريك سلاسل التوريد المحلية، وضمان اكتفاء ذاتي في قطاعات حساسة مثل بناء السفن والرقائق الإلكترونية. تشير البيانات إلى أن قطاع الدفاع الأميركي يشغّل أكثر من 2.1 مليون موظف بشكل مباشر ويؤمّن نحو 7 ملايين وظيفة غير مباشرة عبر سلاسل التوريد. كما أن برامج بناء السفن وحدها، مثل مشروع Columbia-class للغواصات النووية، يقدّر استثماره بأكثر من 112 مليار دولار خلال العقد المقبل. وهنا يتحول الأمن القومي إلى رافعة للتنمية الاقتصادية، ويغدو الجيش محرّكاً للنمو الصناعي، لا مجرد مستهلك له.
التدخل الأميركي المباشر في شركات الدفاع والرقائق يشي بعودة النموذج الاقتصادي الموجّه، حيث تلعب الدولة دور المستثمر الأكبر والموجه الاستراتيجي. قانون الرقائق (CHIPS Act 2022) خصّص أكثر من 52 مليار دولار لدعم صناعة أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تمويل مصانع جديدة لشركات مثل TSMC وIntel . هذه العودة تطرح سؤالاً: هل نحن أمام 'رأسمالية الدولة” بنكهة أميركية؟ أم أنها مجرد استجابة ظرفية لتهديدات الصين وروسيا؟ في الحالتين، نحن نشهد إعادة تعريف العلاقة بين القطاع العام والخاص، بما قد يفتح الباب لتحالفات صناعية جديدة بين الحكومة والشركات الكبرى.
تصاعد قدرات الصين في بناء السفن، حيث أنتجت بكين عام 2023 ما يزيد عن 232 سفينة حربية، وتطويرها لمقاتلات الجيل الخامس مثل J-20، إلى جانب إحياء روسيا لترسانتها التقليدية وزيادة إنفاقها العسكري إلى 6.2% من الناتج المحلي عام 2024، دفع واشنطن إلى إعادة رسم خريطة الأولويات. لم يعد الحديث عن 'التجارة الحرة” و”الأسواق المفتوحة”، بل عن اقتصاد حرب طويل الأمد. وبذلك، فإن امتلاك الدولة لحصص في الشركات الدفاعية ليس مجرد استثمار مالي، بل أداة ردع ورسالة جيوسياسية لحلفاء وأعداء على السواء.
بعيداً عن النظرة الأمنية الضيقة، يمكن قراءة هذه السياسات كفرصة لتأسيس اقتصاد صناعي – تكنولوجي جديد يقوده الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والطاقة النووية، وبناء السفن. الاستثمار الأميركي في الذكاء الاصطناعي العسكري وحده مرشح لتجاوز 15 مليار دولار سنوياً بحلول 2027، وهو ما يفتح آفاقاً لموجة تصنيع ثانية في الولايات المتحدة تشبه 'الخطة المارشالية الداخلية”، لكنها موجهة هذه المرة إلى الداخل الأميركي، عبر إعادة الوظائف، وتعزيز الابتكار، وبناء قاعدة إنتاجية أقل هشاشة أمام صدمات العولمة.
رغم الجوانب الإيجابية، يثير هذا التدخل مخاطر واضحة: خنق الابتكار نتيجة سيطرة الدولة على مسارات البحث والتطوير، وتحويل الشركات إلى أدوات سياسية بدلاً من كيانات تنافسية. كما قد يؤدي إلى صدامات مع الحلفاء (كوريا الجنوبية، اليابان، الاتحاد الأوروبي) الذين يرون في هذا التوجه نوعاً من الحمائية الجديدة التي تهدد استثماراتهم، خاصة أن أوروبا وحدها تستثمر ما يفوق 40مليار يورو في برامج دفاعية مشتركة مثل Eurofighter وFCAS .
إن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لا تنحصر في تعزيز التفوق العسكري، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة الاقتصاد الوطني لمواجهة القرن الحادي والعشرين. هذا التوجه يخلط بين الأمن والتنمية، وبين الدولة والسوق، وبين الرأسمالية والحمائية، ما يجعلنا أمام نموذج هجين قد يُعيد صياغة قواعد الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة.