اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
في ظل التوسع الملحوظ في نشاط النقل الخارجي عبر المركبات ذات “النمرة الأردنية”، برزت تحديات حقيقية تتعلق بغياب التنظيم المالي الدقيق، الأمر الذي فتح الباب أمام ممارسات قد ترقى إلى مستوى التهرب الضريبي، وتستدعي وقفة جادة من الجهات المعنية، وعلى رأسها دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، ومؤسسة الضمان الاجتماعي.
لا يخفى على أحد حجم الأرباح التي تحققها بعض خطوط النقل الخارجية، مثل خط عمّان – الشام أو إربد – الشام، حيث تصل كلفة المقعد الواحد إلى نحو 25 دينارًا على الأقل، في رحلة لا تتجاوز 170 كيلومترًا. وعند احتساب عدد الركاب في رحلتي الذهاب والإياب، والتي قد تتراوح بين 3 إلى 4 ركاب في كل اتجاه، يتبين حجم الإيرادات اليومية المرتفعة، دون احتساب العوائد الإضافية الناتجة عن نقل الأمانات، والتي أصبحت مصدر دخل موازٍ يدر مبالغ كبيرة خارج أي إطار رقابي واضح.
هذه المعطيات تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انعكاس هذه الإيرادات على التصاريح الضريبية المقدمة، ومدى التزام العاملين في هذا القطاع بالإفصاح عن دخلهم الحقيقي. كما تزداد خطورة المشهد مع وجود ممارسات غير قانونية محتملة، مثل إدخال بضائع (كالدخان والمعسل) على أسماء المسافرين، وهو ما يضاعف من الحاجة إلى ضبط هذا القطاع بشكل مؤسسي.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح إنشاء منصة إلكترونية موحدة كأداة تنظيمية فعالة، بحيث تضم جميع سائقي السفريات الخارجية، وتُسجل من خلالها مواعيد الرحلات وبيانات الركاب بشكل إلزامي. على أن يكون لكل سائق رقم ضريبي مرتبط مباشرة بالمنصة، مما يتيح لدائرة ضريبة الدخل تتبع الإيرادات الفعلية لكل رحلة بشكل شفاف ودقيق.
كما يُقترح أن يتم إصدار كشف رسمي بأسماء المسافرين لكل رحلة عبر هذه المنصة، بحيث يُطبع ويُرفق مع دفتر حركة المركبة، ويتم التحقق منه عند نقاط العبور، بما يضمن تطابق البيانات بين عدد الركاب والمبالغ المدفوعة. هذا الإجراء من شأنه الحد من أي تلاعب محتمل، ويؤسس لبيئة عمل أكثر عدالة وتنظيمًا.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الضريبي فقط، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي، حيث تقع على عاتق مؤسسة الضمان الاجتماعي مسؤولية التحقق من شمول جميع العاملين في هذا القطاع بمظلة الضمان، لما لذلك من أثر مزدوج: أولًا، تعزيز الامتثال للقانون، وثانيًا، حماية السائقين أنفسهم من المخاطر المستقبلية المرتبطة بعدم الاشتراك.
ومن جهة أخرى، فإن تنظيم العلاقة مع الركاب لا يقل أهمية، إذ من الضروري إلزام السائقين أو المكاتب بتزويد كل راكب ببطاقة حجز رسمية تتضمن تفاصيل الرحلة وتعليماتها. فهذه الخطوة البسيطة كفيلة بالحد من حالات الاستغلال أو الإخلال بالاتفاق، والتي قد تحدث عند تفضيل راكب يدفع مبلغًا أعلى على حساب آخر، بما يسبب أضرارًا مادية ومعنوية للمسافرين.
إن ضبط قطاع النقل الخارجي لم يعد ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية واجتماعية، تتطلب تكامل الجهود بين الجهات الرقابية والتنفيذية. فالمعادلة واضحة: تنظيم محكم يعني إيرادات عادلة للدولة، وحماية حقيقية للعاملين، وخدمة أفضل للمواطن.
وفي النهاية، فإن أي تأخير في معالجة هذا الملف سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين الواقع والتشريع، وهو ما لا يخدم أحدًا، لا الدولة ولا العاملين ولا المستخدمين. لذا، فإن التحرك السريع نحو حلول عملية، وعلى رأسها التحول الرقمي والرقابة الذكية، بات خيارًا لا يحتمل التأجيل.












































