اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة جراسا الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٩ أب ٢٠٢٦
اكثم الخريشة – في السياسة، كما في الحرب، لا ينتصر دائماً من يملك المنطق. هذه هي القاعدة الذهبية التي يبدو أن بنيامين نتنياهو قد نقشها على جدران مكتبه في القدس، بينما كان يقود بلاده في أطول حروبها وأكثرها إرباكاً، ليخرج منها دون أن يلمس أي من أهدافه الاستراتيجية، لكنه يقف اليوم على أبواب انتخابات جديدة وكأن الهزيمة ليست جزءاً من قاموسه.
مؤخرا، أغلق الرئيس ترامب الباب بشكل مفاجئ أمام أي حوار مع إيران، قالبا الطاولة على كل من راهن على اتفاق يزيح الغمة عن إسرائيل. ولم يعد هناك أي حديث عن 'شرق أوسط جديد'، ولا عن 'تفكيك المحور الإيراني'. كل ما تبقى من ضربات فبراير ومارس هو واقع مألوف: حماس في غزة، حزب الله على الحدود، وإيران تواصل تخصيب اليورانيوم وكأن شيئاً لم يحدث.
وفقاً لمصادر عسكرية إسرائيلية ، فإن التقديرات داخل غرفة العمليات تشير إلى أن إسرائيل لم تحقق سوى 30% من أهدافها المعلنة في الحرب الأخيرة. لكن الغريب، أن هذه النسبة الضئيلة لم تترجم إلى تراجع مماثل في أسهم نتنياهو الانتخابية.
فكيف لرجل يقود دولة في حالة حرب، ويفشل في تحقيق نصر حاسم على ثلاث جبهات في آن واحد، أن يظل المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الوزراء؟
الجواب، كما يراه محللون إسرائيليون، لا يكمن في إنجازاته، بل في براعته النادرة في إدارة الفشل وتحويله إلى أداة للبقاء. نتنياهو ليس رئيس وزراء يدير حرباً، بل هو مدير أزمات يؤمن بأن استمرار الأزمة هو الضمانة الوحيدة لاستمراره.
في جلسات مغلقة، يردد نتنياهو أمام حلفائه في الليكود مقولة أصبحت أشبه بعقيدة: 'الإسرائيلي لا يريد قائداً ينهي الحرب، بل يريد قائداً يعرف كيف يعيش فيها'. وهنا يكمن سر ثباته. فهو يقدم نفسه بوصفه 'الشر الضروري'، الرجل الوحيد القادر على إدارة هذا المستنقع، حتى لو كان هو من قاد البلاد إليه.
هذا الخطاب، وإن بدا متناقضاً، يجد صدى لدى شريحة واسعة من الناخبين الذين استنزفتهم الحروب ولم يعودوا يثقون إلا بمن يعرف تفاصيل المستنقع. وكأن نتنياهو يقول لهم: 'نعم، أنا فشلت في إنهائها، لكن من سينهيها غيري؟'
من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل عامل الإمساك الحديدي بالحزب. ففي الليكود، لا يوجد منافس يلوح في الأفق. الوزراء الذين كانوا يتحدثون قبل أشهر عن 'الإرهاق' و'ضرورة التغيير'، عادوا إلى طابور الموالين، ليس حباً بنتنياهو، بل خوفاً من أن يتحول أي تحدٍّ له إلى انتحار سياسي جماعي. فالحزب، وكثير من الأحزاب اليمينية، تحوّل إلى امتداد لشخصية نتنياهو، حيث لا مكان للمبادرات الفردية خارج إرادته.
لكن الأكثر إثارة للانتباه هو الاستغلال الذكي للعلاقة مع واشنطن. صحيح أن نتنياهو خاض حروباً كلامية مع ترامب، ووصفه البعض بأنه 'متهور'، لكنه في اللحظة الحاسمة، يظل اللاعب الوحيد الذي يفهم كيف يقرأ المزاج الأميركي. حتى حين يتهمه خصومه بأنه 'سلّم مفاتيح القرار لواشنطن'، يستخدم هذه الاتهامات كغطاء ليقول للجمهور الإسرائيلي: 'انظروا، أنا الوحيد الذي يأخذ إسرائيل إلى الغرفة مع الأميركيين، ولو كان ثمناً ذلك التوتر'.
ما يجري اليوم في الكنيست لا يعكس معركة سياسية بقدر ما يعكس أزمة وجودية للنموذج الإسرائيلي في الحكم. فالمجتمع الإسرائيلي، الذي انزلق خلال العقد الأخير نحو مزيد من التطرف الديني والقومي، لم يعد يبحث عن سياسي يمنحه الأمان، بل عن زعيم يمنحه شرعية الغضب. ونتنياهو، بكل فشله، هو من يمنحهم هذا الشرعية.
كبار المحللين الاستراتيجيين في تل أبيب، ممن يتحدثون بصراحة خارج الأضواء، اكدوا 'ان نتنياهو هو لن يخسر، لأنه حتى هزيمته ستكون جزءاً من فوزه. إذا سقط، سيسقط كبطل قاوم العالم كله من أجل إسرائيل. وهذا السيناريو نفسه يضمن عودته مجدداً'.
باختصار، ما نشهده ليس مجرد سباق انتخابي، بل هو اختبار لعقلية سياسية جذبت إسرائيل إلى مستنقع، لتثبت أن البعض يحسن السباحة حتى في قاع الحفرة. وبينما يبحث العالم عن تفسير لثبات نتنياهو، ربما يكون الجواب أبسط مما نتصور: لأنه ليس بحاجة إلى الفوز بمعركة، بل هو بحاجة إلى إقناع الإسرائيليين بأن كل المعارك التي خاضها، حتى الخاسرة منها، كانت من أجلهم.












































