اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
من كان يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه للحمار راتبٌ وعطلةٌ ورعايةٌ صحية، وأن تدخل تفاصيل حياته العملية في أوراق رسمية؟ ربما كان الحمار نفسه آخر من توقّع ذلك، وهو الذي أمضى عمره يحمل الأثقال ويصعد الجبال بصمت.
لكن هذه ليست حكاية من نسج الخيال؛ فقد حدثت بالفعل قبل سنوات قليلة، عندما تقرر صرف أجر يومي عن طريق إحدى الوزارات لأحد الحمير التي بقيت تعمل في المناطق الوعرة، حيث كانت تنقل المياه إلى المشاتل والورش والغابات. حكاية طريفة في ظاهرها، لكنها تكشف لنا، بعيدًا عن أي مبالغة، كم كان هذا الكائن الصبور شريكًا حقيقيًا في أعمال شاقة لم تكن الطرق الحديثة قد وصلت إليها بعد.
وفي السياق نفسه، كان الحمار في البيت الأردني، في زمن كانت الحياة فيه أبسط والناس تعرف قيمة القرش، أكثر من مجرد دابة. كان وسيلة نقل، وعونًا في الحراثة، وناقلًا للماء والحاجيات، وشريكًا في تفاصيل الحياة اليومية.
ولم يكن الفلاح يبحث عن حصان للسباقات أو للزينة؛ كان يريد دابة تتحمل التعب وتقوم بالواجب. ولهذا كان الحمار والبغل حاضرين بقوة في بيوت الأردنيين، حتى إن بعض العائلات كانت تعتبر ولادة جحش جديد في البيت رزقًا وثروة صغيرة.
لكن بعض الحمير لم تكتفِ بالعمل عند أصحابها، بل حصلت على وظيفة إضافية لدى البلدية!
في سبعينيات القرن الماضي، وقبل أن تنتشر الحاويات والضاغطات وآليات جمع النفايات، كانت بعض البلديات تعتمد على عامل الوطن وحماره في جمع القمامة ونقلها.
يبدأ الدوام في حدود الساعة الثامنة صباحًا، وينتهي عند الثانية بعد الظهر، ثم يعود الحمار إلى أصحابه ليستريح حتى صباح اليوم التالي.
أما الراتب فكان عشرة دنانير شهريًا.
قد يبدو الرقم مضحكًا لمن يسمعه اليوم، لكنه في ذلك الوقت كان مبلغًا له قيمته، يساعد الأسرة في مصاريفها، خصوصًا أن الحمار لم يكن يحتاج إلى بنزين أو تغيير زيوت أو قطع غيار. بل كان يحصل، إلى جانب راتبه، على بعض الأعشاب ومخلفات الطعام أثناء ساعات العمل، حسب طبيعة المكان الذي يمر به.
بمعنى آخر، كانت لديه حزمة مزايا وظيفية كاملة:
عشرة دنانير راتبًا، وطعام أثناء الدوام، وعودة يومية إلى البيت!
وكانت العلاقة بين البلدية وصاحب الحمار بسيطة جدًا. يستلم عامل الوطن الدابة صباحًا، يؤدي بها مهمته، ثم يعيدها إلى أصحابها بعد انتهاء العمل.
لا بصمة إلكترونية، ولا نظام موارد بشرية، ولا رسائل واتساب من المدير:
'وينك؟'
ولا حمار يطالب بعلاوة أو بدل مواصلات.
كان يعرف وظيفته جيدًا، ويحاول إنجازها بأقل قدر ممكن من الاحتجاج. وإذا قرر التوقف في منتصف الطريق، فربما كانت تلك طريقته الخاصة في المطالبة بحقوق العمال!
والطريف أن حمار البلدية كان يجمع بين وظيفتين: موظف نظافة في ساعات النهار، ودابة للعائلة بعد انتهاء الدوام.
اليوم تغيّرت الدنيا. صارت هناك الشاحنات والضاغطات والحاويات والآليات الحديثة، وأصبح من الصعب أن تتخيل حمارًا يسير خلف عامل الوطن في أحد الشوارع.
لكن تلك الصورة القديمة تحمل شيئًا من روح ذلك الزمن؛ زمن كانت فيه الإمكانيات قليلة، والناس تعتمد على ما لديها، وتعرف قيمة الأشياء الصغيرة.
والحمار، رغم كل ما قيل عنه من أمثال ونكات، كان يؤدي دوره بصمت.
وربما لو عاد حمار البلدية اليوم، ونظر إلى رواتب الموظفين ومخصصاتهم وسياراتهم ومطالبهم، ثم تذكر أنه كان يعمل ست ساعات يوميًا بعشرة دنانير، لرفع أذنيه وقال:
'يا جماعة... أنا كنت حمار بلدية، ولا كنت موظفًا مثاليًا؟!'
ثم يمشي...
وكعادته، يترك وراءه السؤال والضحكة!












































